سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٣(وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهَ عَلَيْكُمُ (إِذْ كُنتُمُ (أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا): الخطاب للصحابة ولجميع المؤمنين من بعدهم للتّذكير بحالهم التي كانوا عليها قبل الإسلام في صورة مستقطعة بمن كان على شفا حفرة من النّار مشرفا على الهلاك المحقق أوّلا بوقوعه من شاهق، ثم بإحراقه في نار مؤجّجة لا مطمع من نجاته منها، وكان الإسلام هو منقذهم من تلك المهلكة، إذ تآلفت قلوبهم على محبة الله ورسوله بعد أن توزعتها الضغائن والإحن، لم يستطع حكماؤهم أن يجمعوا شتاتهم رغم ما بذلوه من جهود في إصلاح ذات بينهم، ذلك لأن تأليف القلوب التي تحرّك الأجساد هي بين أصابع الرّحمان يقلّبها كيف يشاء، كما يدلّ ذلك التّعبير بقوله تعالى: (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) فلم يقل: "بينكم" وهو يصوّر القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى ممتنّا على رسوله: (وَإِنْ يُّرِيدُوا أَنْ يَّخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِى وَبِالْمُومِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوَ اَنْفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُو إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال:62 - 63).
ومن أجلّ نعم الله على خلقه أن يغيّر من أحوالهم وينقذهم من المهلكات، فينقلون من الأسوأ إلى الأحسن، ومن العداوة والإفناء والتّخاذل إلى الأخوّة والمحبة والتّعاون و التّكامل، لأن النّاس في أيام ضعفهم وتخلّفهم يعتادون حياة البؤس والضّنك والشّقاء فلا يشعرون بعذابهم وشقائهم إلاّ من آتاه الله نفاذ البصيرة، كما قال المتنبيّ:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميّت إيلام