سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٧وفي هذه المراتب تتضح المسؤولية العامّة للجماعة الإسلامية فلا يكاد يجد المؤمن مبرّرا لتخلّيه عن تغيير المنكر بما يستطيع وفق منزلته ومقامه في المجتمع، ولو أن تغيير المنكر باليد هو أنجع وأعظم فعالية في محاربة الآفات الاجتماعية والحدّ من الانحرافات لأن الحكمة تقول: "يزع الله بالسّلطان مالا يزعه بالقرآن"، وتلك مهمّة خواصّ الأمة من العلماء والأمراء فكلّما تعاون هؤلاء في هذا المجال انتظمت مصالح البلاد والعباد وعمّ الخير وتحقق الازدهار والرّخاء.
ولكون ذلك من المهامّ الشّاقة عدّ الله القائمين بها من المفلحين في الدّنيا والآخرة بل حصر الفلاح فيهم وحدهم، وبما أن القيام بذلك يستلزم من هؤلاء الدّعاة أن يتّحدوا ويتّفقوا في تحديد الغرض واتخاذ الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك فقد حذّرهم الله من الاختلاف والتّفرّق مثلما وقع فيه من قبلهم فقال: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ): والذين تفرقوا في الدّين هم أهل الكتاب إذ نبذوا ما هداهم الله إليه من الآيات والبيّنات وتفرّقوا شيعا تتصارع وتتقاتل جريا وراء متاع الدّنيا، حتى أهملوا شعيرة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فاستحقوا بذلك لعنة السّماء كما وصفهم الله في سورة المائدة بقوله تعالى: (لُعِنَ الذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرآئيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِيسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) (المائدة:78 - 79).
وللمبالغة في التّحذير رتب الله عليهم الجزاء فقال: (وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ): وعظمة ذلك العذاب تتمثل في خسرانهم للدنيا والآخرة إذ أذاقهم الله عذاب الخزي في الدّنيا، فكان بأسهم بينهم شديدا ولعذاب الآخرة أشدّ وأخزى.