سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٨(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمُ (أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ):
وفي موقف الحشر والجزاء يوم القيامة يتمايز الفريقان والوجوه هي الجزء الأشرف في الأجسام البشرية، تبدو عليها سيما الفرح والسّرور أو الأسى والحزن وفق ما يعتلج في نفس الإنسان، واستعارة السّواد والبياض أو النّضارة والكآبة لتمثيل الحالتين النّفسيتين هو تعبير شائع في اللغة، وقدّم وصف البياض الذي هو شعار أهل النّعيم تشريفا لأهله في ذلك اليوم، ولأن رحمة الله سبقت غضبه، وقد ورد مثل ذلك في غير هذه الآية من القرآن الكريم سيما من السّور المكية. وهل السّواد والبياض حقيقيان أمْ مجازيان في ذلك الموقف؟ الله أعلم بكيفية ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرفة أمته بين الخلائق في المحشر: «يأتون غرّا محجلين من أثر الوضوء»(1)، وقال تعالى: في التّعبير المعنوي وصفا للجاهلي المبشر بالأنثى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالاُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ’ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ) (النحل:58).
(فَأَمَّا الذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمُ (أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ): تفصيل بعد الإجمال لحالة الفريقين على طريق النّشر المعكوس والبدء بالمتأخر (تَسْوَدُّ وُجُوهٌ) لزيادة التّحذير لأن درأ المفسدة أولى من جلب المصلحة والاستفهام للإنكار والتّغليظ، ويلاحظ الحذف لقائل هذا الكلام وفي تقدير القائل احتمالان:
(1) - رواه البخاري من حديث سعيد بن أبي هلال، كتاب الوضوء، باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء، حديث136، 1/ 63.