سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٤٦٥هذا النّصّ يواجه واقعاً معيشاً للجماعة المسلمة في المدينة المنوّرة -وهي تتبلور وتتميّز بخصائصها- في مجتمع متعدّد الأعراق، فثمت مهاجرون وأنصار وكل له مزاجه وطبائعه، وهناك يهود ذوو نفوذ ومنعة، وبين هؤلاء وأولئك جوار وحلف في الجاهلية يدعو إلى التّواصل والتّعامل بين الفرقاء، وقد تدعو الحاجة التّعاملية إلى شيء من المجاملة تفضي -أحيانا- إلى المباطنة والمسارّة بين المتعاملين. وإذا ارتقى فريق إلى مقام المسؤولية والتّكليف فإنّ الفريق المسؤول عنه سوف يدفعه صراع البقاء إلى التّربص والكيد للفريق المسؤول.
وخشية من اغترار الجماعة الإسلامية من أن تنساق إلى حسن الظّن في الأعداء، أو أن تغفل عن مكمن الدّاء، جاء هذا التّحذير الإلهي للجماعة المسلمة ألاّ يتخذوا بطانة من دونهم، أي من أناس يخالفونهم في الحقيقة والمنهج والوسيلة، وألا يجعلوهم موضع الثّقة والسّرّ والاستشارة، وجاء التّحذير في صورة شاملة عامّة ليشمل كل الظّروف والأحوال في كل زمان ومكان، وما الجماعة المسلمة إلاّ النّموذج الرّائع في الحكم السّياسي، لو أنّ المسلمين ساروا على منواله ما اضطروا في يوم من الأيّام إلى تقليد غيرهم في أساليب الحكم وممارسة السّلطة.
يخاطب القرآن الجماعة بـ (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ) في كل أمر ذي بال ليشعرهم بالمسؤولية التّضامنية في تنفيذ ذلك الأمر، ومع التّحذير يرسم لذلك النّموذج من أعدائهم صورة كاملة السّمات، ناطقة بدخائل النّفوس وشواهد الملامح إذ وصفهم بأوصاف أربع:
أ) - (لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالاً): أي يتخذون كل الوسائل لإفساد أمركم وتشتيت صفّكم، وتنغيص راحتكم.
ب) - (وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ): يرغبون في ضرّكم وإشقائكم ويفرحون لكلّ ما ينغّصكم في دينكم ودنياكم.