سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٦وعلى عادة المفسّرين في تأويل هذه الأخبار الغيبية، اختلفوا أكان هذا الإمداد من الله ماديّا من قبيل الإمدادات الحربية بالجند والسّلاح والمؤن، وبالتّالي فقد شاركت الملائكة في القتال بالفعل؟، أم هو إمداد معنويّ روحانيّ بالدّعاء والتّسبيح وتثبيت قلوب المؤمنين بالصّبر واليقين في وعد الله بالنّصر. وعلى أي التّفسيرين فإن العبرة بالنّتائج التي هي من قبيل المعجزة في هذه المعركة الخالدة.
ويبدو لي -والله أعلم- أن لتعليق ازدياد عدد الملائكة بصبر المجاهدين وتقواهم في المعركة معنى دقيقاً، وأن مناط تنامي المدد الرّوحاني من الله إنمّا هو على تنامي الصّبر والتّقوى في نفوس المؤمنين. أما كيفية ذلك في الواقع الميداني للمعركة فنكل أمره إلى الله، كما أرشد رسوله إلى ذلك في قوله عن نتائج المعركة ضمن هذا السّياق: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الاَمْرِ شَيْءٌ).
وهناك من المفسرين من يرى أن الإمداد الملائكي المذكور هنا إنما كان في أُحد، والقول الأول هو أشهر ما عليه أغلب المفسّرين. يقول الشّيخ المراغي تعليقا على ذلك: "غير أن القرآن يدلّ على أنهم قد أُمِدّوا يوم بدر بألف من الملائكة وذلك قوله: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمُ (أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدَفِينَ) (الأنفال:9). أمّا في أحد فالدّلالة على أنهم لم يمدّوا، وذلك أنهم لو أُمِدّوا لم يهزموا ويُنَل منهم ما نِيل".(1)
أمّا قوله تعالى: (وَيَاتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا): فالضمير يرجع إلى المشركين، أي يأتوكم من ساعتهم، وذلك حين شقّ على المسلمين ما بلغ إليهم من أنّ جيش العدوّ ستمدّهم بعض القبائل بالمقاتلين فأنزل الله هذه الآية ووصف الله ملائكته بوصفين:
(1) – مصطفى محمود المراغي، تفسير المراغي،2/ 58.