سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٨(وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ): كلتا الجملتين جاءتا في صيغة الحصر لتأكيد معناهما في مجال التّصوّر الإسلاميّ الصّحيح، وترسيخ مبدأ ردّ الأمور كلها إلى مشيئة الله، وأن لا يتّكل المؤمن على الأسباب المادية أو المعنوية اعتقادا منه بأن وراء ذلك مدبّرا حكيما وذا سلطان قويّ. وإن كان لا يمنع ذلك من اتخاذ الأسباب وتسخير المواهب في تحقيق الغايات وبلوغ المقاصد جريا على سنن الحياة وقوانينها.
فما هي نتائج ذلك النّصر المبين، وما هي الحكمة الإلهية من رواء تدبيره الحكيم؟.
(لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ، لَيْسَ لَكَ مِنَ الاَمْرِ شَيْءٌ اَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ): فإذا استقر في إيمان المسلم أن الخلق والأمر لله وحده –ولله في خلقه شؤون- يدبّر أمرهم كيف يشاء.
لقد رتّب الله هذه النّتائج في شأن الكفار بعد الانتصار عليهم في المعركة، وجاءت معطوفة بـ"أَوْ" التي تدلّ على التّنويع، وجاء قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الاَمْرِ شَيْءٌ) جاء معترضا بين ذلك ليدلّ إمّا على قصر النّصر والحصول عليه من جهته تعالى لا من الأسباب كما تقدم، أو لتكون كناية عن صرفه عليه السلام من أن ينشغل بما يدبّره الله للمشركين. ومن جملة ذلك:
أ) - (لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذِينَ كَفَرُواْ): ومعنى قطعهم إفناؤهم والمقصود بالطّرف أي طائفة منهم ممن قتل أو أسر. وقيل: الطّرف هنا مستعار لأشراف الكفار ممن صرعوا يوم بدر.
ب) - (أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ): أي يخزي ويغيظ طائفة أخرى بما لحقهم من الهزيمة. وهي عند العرب من أقسى ما يتعرّض إليه أحدهم من الخزي والعار.