سورة آل عمران
الجزء ٣ · صفحة ٦جاء هذا النّداء العامّ إلى كل المؤمنين لينتبهوا إلى مكائِد أعدائهم فقال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ):
كثيرا ما يستعرض القرآن خلال بيانه للمواقف والأحداث يستعرض جوانب من أسرار النّفس البشرية وهي تتقلب بين السّرور والحزن، وبين الضّعف والقوة، والإقبال والإدبار.
وهزيمة "أحد" كانت الرّجّة التي هزّت الجماعة الإسلامية، وهي ما تزال نبتة طريّة في مجتمع تتقاذفه تيارات مختلفة، أخطرها تلك التي اتخذت المراوغة والنّفاق وسيلة لضمان السّلامة بين تيارين متناقضين متعاكسين، وما تزال أكاليل النّصر يوم بدر تتألق على رؤوس المسلمين وتجلّلهم بهالة من الرّهبة والاعتزاز، فها هي ذي أحداث "أحد" تخلخل ما تركز في تلك النّفوس من النّخوة والاعتداد بما أذاعه المنافقون، وما روّجوه من الأراجيف وما نفثوه من سموم، وما للمؤمنين من ترياق لها غير القرآن بعد ما تيقنوا من نجاة رسول الله.
وقد تكررت أساليب التّسلية للمؤمنين وتنوّعت لتأسو الجراح وتعيد الثّقة في النّفس لوما وعتابا وتحذيرا وتنبيها، وفي هذا النّداء يحذّر الله المؤمنين من أن يخامرهم خاطر الدّخول في مصالحة مع المشركين، لما في ذلك من خور العزيمة والضّعف ثم الاستكانة للعدوّ، ومع الخضوع للعدوّ الانسلاخ عن العقيدة والرّدّة إلى الكفر، وفي ذلك الخسران المبين في الدّنيا والآخرة، هذا هو حكم الله في مثل تلك المواقف، فإمّا إصرار ومثابرة وجهاد للعدوّ ومع ذلك نصر الله، وإما رضوخ واستسلام ومع ذلك الخزي والعار، والارتداد إلى حظيرة الكفار.