سورة آل عمران
الجزء ٣ · صفحة ١٥يتتابع شريط المشاهد في المعركة بأسلوب التّدبير من قِبَل الله تعالى لكلّ ما حدث للمخاطبين ليعمّق الإحساس بالمسؤولية في نفوسهم ويثير الخجل بما ارتكبوه، وهو يصوّر حركتهم واضطرابهم وضربهم في الأرض مصعدين موليّن، لا يلتفت أحد منهم على أحد، ولا يجيبون داعي الرّسول، وهو ثابت في موقفه مع ثلة من أصحابه، وروي أنه كان ينادي: «إليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرّ فله الجنة»(1).
وقوله: (فِي أُخْرَاكُمْ)، في أخرى: أي من ورائكم في آخر الجيش ممّا يدلّ أن الاضطراب قد عمّ كل صفوف الجيش، ولم يصمد مع الرّسول إلا القليل، ودعاء الرّسول لهم لأجل الرّجوع والثّبات معه.
(فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ): والغمّ لا تكون به إثابة، ولكنه أسلوب العتاب المرّ الذي ينجرّ عنه ذلك الغمّ المتتابع على ما فرط منهم في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان غمّا مركبا لتعدّد دوافعه في نفوسكم: غمّ بالهزيمة والآلام والجراح وغمّ بما أصاب رسول الله من جروح وأوجاع، حتى ظن الكثير منهم أنه قتل كما أشاعه المنافقون. إنه اختيار عسير هذا الذي وقع فيه الأصحاب علّله تعالى بقوله: (لِكَيْلا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ)، وهو أن يستخلصوا من تلك التّجربة القاسية دروسا يتعظون بها في حاضرهم ومستقبلهم، لأن المحن تربّي النّفوس وتنسي صغائرها عظائمها. فعندما يجترون ذلك الغمّ فإنهّم ينسون ما أصابهم من هزيمة وما فاتهم من غنيمة، وفي ذلك محو لآثار الخيبة والإحباط، والله تعالى مطّلع على خبايا النّفوس ومقاصد الأعمال.
(ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ):
(1) 1 - أنظر تمام القصة: الطبري، جامع البيان، 4/ 112.