سورة آل عمران
الجزء ٣ · صفحة ١٤ومن حق صحابة رسول الله علينا أن لا نغرق في تأويل تصرّفاتهم بما يحطّ من مقامهم، بل يجب أن نتأدّب بأدب القرآن في شأنهم، لأنّ الله المدبّر لما وقع في "أحد" بعد أن وبّخهم بذكر أسباب الهزيمة قال لهم بعد ذلك: (وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ). وفي هذا الصّدد يعجبني قول الإمام ابن عاشور رحمه الله ألخّصه بتصرّف قال: "لم يكن عصيان الرّماة عن جبن ولا عن ضعف إيمان أو قصد الخذلان ولا استخفاف بالآخرة، وإنما كان ذلك عن استعجال في التّأويل والاجتهاد في مقام لا ينبغي فيه ذلك، لأن شأن الحرب الطّاعة العمياء للقائد، ولا يلزم من إرادة الدّنيا في هؤلاء أن يكونوا مفرّطين في أجر الآخرة حتى نعتبرهم منافقين أو مرتدّين عن الإيمان بدليل عفو الله عنهم"(1).
وبعد ذلك التّفصيل في المواقف مهّد الله سبحانه للعفو عنهم تطييبا لخواطرهم فقال تعالى: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُومِنِينَ).
فهناك تدبير الله الحكيم لتلك الأحداث حين كان ذلك الموقف من الرّماة وما نتج عنه من الفواجع ليختبركم ويمحّصكم، وفي ذلك من إصلاح نفوسكم وتقوية صفوفكم ما يضمن لكم النّصر في المستقبل.
وتسكينا لخواطرهم عقّب على ذلك بالعفو عنهم، ثم ذيّل الله ذلك بذكر امتنانه وفضله على المؤمنين تأكيدا للعفو بعد ما ظهر منهم من التّوبة والنّدم: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
(1) 1 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 4/ 129.