نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٣ · صفحة ٢٦

بعد خطاب المؤمنين وتحذيرهم من التّأثر بأقوال المنافقين توجّه الله بالخطاب إلى رسول الله ليجلو حقيقة النّبوءة في شخصه الكريم، وهو يكظم غيظه ممّا حدث من القوم من اضطراب صفوفهم ومخالفة أمر قائدهم، وصبره على ما أصيب به من جراح في المعركة … إلخ، فمثل هذا الخطاب إليه يطمئن النّفس ويهدّئ الخواطر، ويذكّر المؤمنين بنعمة الله عليهم أن ألان لهم قلب رسول الله فلم يتشدّد في عتاب ولا لوم، وأن ذلك من مظاهر رحمة الله بهم فقال جلّ من قائل: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).

وقد امتدح الله رسوله بالخلق العظيم بصفة عامّة في سورة "القلم" فقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)، وهنا يذكر مظاهرَ من ذلك الخلق الذي كان بسبب رحمة الله بهذه الأمة، كما بيّن في سورة النّساء أن القرآن هو مجلى تلك الرّحمة ومصدر تلك الهداية فقال تعالى: (وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء:113)

وهنا تجلّى لين الرّسول ورفقه بأصحابه في مظاهر كثيرة حيث استشارهم في الخروج أوّلا، ولم يهدّد من نكص على عقبيه من المنافقين، ولم يعنّف من خالف أمره من الرّماة، فكان ما كان من الفواجع والآلام. على أن صيغة الماضي في: "لِنتَ" تدلّ على أن ذلك من أصيل خلقه عليه السلام من قبلُ ليناسب طباع أمّته في أوّل الدّعوة، لأنّ قومه معروفون بالأنفة وإباء الضّيم، والضّمير في: "لَهُمْ" لا يكون مقصورا على من كان في غزوة أحد من المؤمنين الصّادقين أو من المنافقين، بل هو عائد على جميع الأمّة كما يقضيه مقام التّشريع وسياسة الأمة.

٨٢٩ / ٦٬٧٦٧