نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٨٣

والمقصود بضرب المثل هو إبراز المعاني الدقيقة في قالب الأشياء المحسوسة لإيضاح خفاياها وأسرارها بما تستأنس به النفوس فيكون التأثير فيها أشد، ذلك لأن النفوس تختلف طبائعها وبالتالي تختلف مواقفها من الحق أو الباطل والخير والشر. فقال تعالى: (فَأَمَّا الذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا)، فهناك في الناس مؤمن أو كافر:

أ- فالمؤمنون موصلون بربهم متيقنون بقدرته وعظمته، فتح الإيمان لهم مجال المعرفة بربهم فاستنارت بصائرهم بنور الحق، فهم يتلقون كلّ ما يصدر عن الخالق بالتصديق والإذعان.

ب- وأما الكافرون: فإن قلوبهم المريضة تظل في عمي وتيه، فلا يقدرون الله حق قدره، إذ يطرحون مثل تلك الأسئلة التعجبية في معرض السخرية والاستهزاء (مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً)، إنهم في عمي الجهل يعمهون، يجادلون في الحق بعدما تبين مكابرة وعنادا، فأنّى لهم أن يدركوا حكمة الله في ضرب الأمثال؟، وكان الأولى أن يسألوا عن حكمة ذلك، فيجيء الرد من قبل الله تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا)، فالله تعالى وضع خلقه أمام الأسباب ومنح لهم الحرية والاختيار ويضعهم على محك الاختبار لتمضي الخلائق تأخذ نصيبها من الهدى أو الضلالة وفق استعداداتها. ولله الحكمة البالغة في ذلك، إذ يأخذ كلّ طريقه متلبّسا بالصفات التي تناسب كل صنف:

(وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ، الذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنم بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُّوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الاَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ):

٨٣ / ٦٬٧٦٧