نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٨٤

يسخر الله الأسباب للمهتدي فيزداد هدى، قال تعالى: (وَالذِينَ اِهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَءاتاهُمْ تَقْواهُمْ) (القتال: 17)، وأما الضّالون فإنهم باختيارهم لمسالك الضلالة يفسقون عن أمر الله، فلا يزيدهم القرآن إلا خسارا ولا تزيدهم ضرب الأمثال فيه إلا عنادا واستكبارا، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا) (الإسراء: 82).

فجزاء الفسوق عن منهج الله هو الإمعان في الفسوق الناشئ عن ضلالهم ابتداء، لأن ضرب الأمثال يندرج في جملة أسباب الهداية والإرشاد، وإذ لم يهتدوا بذلك فهم باقون في ضلالهم وفي أسبابه ونتائجه ومنها:

أ- (الذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنم بَعْدِ مِيثَاقِهِ): المراد بنقض عهد الله، هو العهد الفطريّ المركّز في طبيعة البشر: أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا كما قال تعالى: (اَلَمِ اَعْهَدِ اِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَ أَنُ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) (يس:60)، فهؤلاء عطّلوا في أنفسهم كل الوسائل التي متعهم الله إياها للنظر والاستدلال، وبالتالي تنكّبوا عن السنن الفطرية التي جعلها الله مسالك للهداية، فأصبحوا بذلك ناقضين لعهد الله وانضموا إلى جنب الشيطان.

ب- (وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُّوصَلَ): وكم لله من أوامر بصلات كثيرة، تصل أولا ما بين العبد وربه، ثم ما بين العبد وبني جنسه سواء الأقرباء أو البعداء. فإحكام تلك الصلات كما أمر الله يكسب العبد هناء وسعادة واستقرارا. وقد أجملت الآية تلك الصلات لتشمل كل أنواعها وهي لا توصل إلاّ وفق ما أمر الله به أن يوصل.

٨٤ / ٦٬٧٦٧