نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٣ · صفحة ٢٩

د) - (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ): حذف متعلق العزم لدّلالة التّفريع عليه، والتّقدير: إذا عزمت على الأمر بعد الشّورى والعزم هو تصميم الرأي على الفعل، أي إذا تبيّن لك وجه السّداد فأقدم على التّنفيذ ولا تتردّد، واطلب التّوفيق فيه من الله، لأنّ ذلك من شأن أهل الإيمان ممن يحبّهم الله تعالى، فهؤلاء مهما توفرت لهم الأسباب ووثقوا بأنفسهم فإنهم لا يغترون بحيلتهم ولا بقوتهم، وليس التّوكّل على الله في ترك الأسباب بل هو في الرّكون إلى قوة الله وعظمته، فقد عزم الرّسول على الخروج إلى "أحد" ولم يتردّد أمام تخاذل بعض أصحابه بل قال قولته المشهورة: «ما كان لنبي لبس لأمته أن يرجع»(1)

وقال الشّاعر المتنبّي:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة … فإن فساد الرّأي أن تترددا

(إِنْ يَّنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَّخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُومِنُونَ):

بعد أن خاطب الله المؤمنين بأسلوب الملام والمعذرة والتّسلية من قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) إلى ما هاهنا، جمع لهم كل ذلك في كلام جامع في هذه الآية، فيتلقون الماضي بارتياح، ويواصلون العمل في المستقبل، إذ نبّههم إلى أن نصر الله يقوم في بعض الأيام كما يكون خذلانهم في بعضها، ولا يكون ذلك إلا لحِكَم مقدّرة في علم الله ولأسباب قد يكونون هم متخذوها، فجاء هذا الكلام المستأنف لبيان وجه التّوكّل على الله بعد المشاورة والعزيمة في الأخذ بالأسباب، ولا يُراد بهذا الكلام ظاهر الإخبار لأن ذلك معلوم لدى المخاطبين وهم مؤمنون بل هو تقرير لتسليتهم على ما أصابهم، وأكد الله على المعنى في آخر الآية بصيغة القصر: (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُومِنُونَ).

(1) 2 - تقدم تخريجه: ص 394 من هذا الجزء.

٨٣٢ / ٦٬٧٦٧