سورة آل عمران
الجزء ٣ · صفحة ٣٢وكثير من المفسرين رجّح الرّواية الثّانية لأن السّياق يقتضيها، إذ تندرج ضمن النّصائح الموجّهة لأصحاب رسول الله، فقد حذّرهم الله من الغلول، وهو ما قد يغوي الجيوش في الغزوات، إذ أن من أسباب هزيمتهم يوم أحد تعجّلهم على أخذ الغنائم، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيءٍ اَنْ يُّغَلَّ وَمَنْ يَّغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).
العطف من عطف غرض على غرض، فبعد النّصائح المقدمة والأمر بالتّوكل على الله وطلب مرضاته، وبعد بيان جانب من أخلاق الرّسول في معاملة أصحابه جاء هذا النّفي المبالغ فيه بصيغة الجحود لما لا يليق بمقام الرّسول، فلا يمكن أن يتهم بالغلول كما يروّج لذلك المنافقون، فقسمته للغنائم لا تكون إلا وفق ما أمره الله به، وفي الآية: (وَمَا كَانَ لِنَبِيءٍ اَنْ يُّغَلَّ) بما فيها من أوجه القراءة تبرئة لرسول الله من قول المنافقين وتحذير لجيشه من الغلول.
(وَمَنْ يَّغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): ولمزيد من التّحذير جيء بهذه الجملة الشّرطية لتدلّ على حكم الغلول بصفة عامّة، وأنّه من الكبائر مثل السّرقة، يشهّر بصاحبه يوم القيامة ويفتضح أمام الخلائق، إذ يجيء حاملا لما غلّه، وفي معنى هذه الآية روى كل من الشّيخين البخاري ومسلم عن أبي هريرة حديثا مطوّلا يعظّم فيه أمر الغلول، ويذكر أشياء وحيوانات يحملها الغالّ على عنقه ويستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له: «لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك».(1)
(1) 1 - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الجهاد والسّير، باب الغلول وقول الله تعالى: (ومن يغلل يات بما غلّ)، حديث 2908، 3/ 1118.