نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٣ · صفحة ٤٥

وفي هذه الآية تفصيل أكثر ببيان مسرّات تلك الحياة الأبدية التي لا يؤمن بها الكفّار والمنافقون، وقد أعرض عن خطابهم لفقدان استعدادهم في استيعاب تلك الحقائق الأبدية، وتوجّه الله بالخطاب إلى رسوله وإلى كل سامع للقرآن ومتدبّر لآياته البيّنات، وقد نهى الله عن مجرّد الظّن بأن الشّهداء أموات فكيف بالجزم في ذلك؟ ثم يؤكد بأنهم في الحقيقة أحياء، أي أن الموت الذي نراه في الشّهيد إنما هو موت ظاهريّ لا حقيقيّ كما يعتقدّه المنافقون.

والعندية في (عِندَ رَبِّهِمْ) هي عندية التّشريف والتّكريم، وجيء بأداة الإضراب لنفي الموت الحقيقي عنهم، وإثبات حياة خاصّة بهم في كنف الرّبوبية الحانية، وهي حياة زائدة يختصوّن بها عند الله في عالم الغيب، لا يعلم كنهها إلا الله، فهي بالطّبع ليست مماثلة للحياة التي نعرفها في الدّنيا، أي حياة الرّوح والجسد، ولا هي كحياة بقية الأرواح العادية عند ما ترجع إلى باريها. وقد أضفى الله على تلك الحياة صفات تدلّ على منتهى الرّاحة واللّذة فقال:

أ- (عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ): فالرّزق وإن كان من لوازم حياتنا في الدّنيا فلا يعني أن الرّزق في الحياة الأبدية مشابه للذي نعرفه بدليل آية سورة البقرة: (كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً) (البقرة:25).

ب- (فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ): أي تغمرهم المسرّة بما نالوه من فضل الله زيادة على ذلك الرّزق، لأن الفضل هو ما كان في غير مقابل بالعمل قال تعالى: (لِيُوَفِّيَهُمُ (أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ’ غَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر:30).

٨٤٨ / ٦٬٧٦٧