نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٣ · صفحة ٤٩

فالقائلون: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ) هم ذلك الوفد من عبد القيس، أو هو نعيم بن مسعود الأشجعي كما في رواية أخرى، ومن ذيول القصة أنّ بعض الأصحاب قد نالت تلك الدّعاية من قلوبهم فقال رسول الله: «والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي»(1)، فخرج معه سبعون راكبا وهم يقولون: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) فحصل بذلك خلاف ما أراده المشركون، إذ ازداد المؤمنون إيمانا وشجاعة.

وفي زيادة الإيمان ونقصانه جدل كلاميّ طويل ويكاد يكون خلافا لفظيا لأن الإيمان يتناول مظهرين:

أ- التّصديق القلبيّ واليقين الوجداني في إثبات وجود الله وصفاته، وفي بعثة الرّسل وصدقهم إلى غير ذلك من أسس العقيدة الإسلامية، فإن ذلك لا يقبل النّقص، إلا أنه تمكن الزّيادة بمعنى الجلاء والانكشاف.

ب- قد يراد من الإيمان مقتضاه من الأعمال الصّالحة فيكون قابلا للزّيادة والنّقصان، وأما عندنا -أهل الحق والاستقامة- فإن الإيمان غير منفصم في معناه التّصديقي والعمليّ.

وقولهم: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) أي الله كافينا من أمر الذين جمعوا لنا وهو نعم الوكيل، وهم قالوا ذلك بإلهام من الله، أو بتلقينهم الرّسول إياها، والجملتان متعاطفتان.

(فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ): أي حباهم الله تعالى بأربع مزايا تدلّ على ثبات إيمانهم:

أ- (فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ): أي عادوا سالمين غانمين ملابسين لنعمة الله وهي السّلامة والعافية، والفضل المعنويّ يتمثل في جزاء الجهاد ويتمثل الماديّ في ربح تجارتهم.

ب- (لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ): إذ لم يلاقوا حربا.

ج- (وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ): أي هداهم الله لاتّباع رضوانه بالاجتهاد في المبّرات والقربات.

(1) 1 - السيوطي، تفسير الجلالين، 1/ 115.

٨٥٢ / ٦٬٧٦٧