سورة آل عمران
الجزء ٤ · صفحة ٢٨جاء النّداء للدّعاء بصفة "الرّبّ" للخالق مكرّرا خمس مرّات للإقرار له بصفة الرّبوبية التي تنمّ عن الحنوّ والرّعاية للمخلوقات، ثم الإشارة بـ"هذا" للدّلالة على تعظيم شأنها بنفي الباطل عنها، وأن وراء ذلك الخلق العجيب حكمة وغاية، وفي تدبير شؤونه حقًّا وعدلاً. وتأتي جملة التنزيه المعترضة: (سُبْحَانَكَ) لتعلمنا آداب الدّعاء بتنزيهه تعالى عن الباطل، ثم جيء بـ"فاء" التّعقيب لطلب الوقاية من النّار: (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) لأنه يترتب عن علم الصّالحين بأن هذا الخلق حقّ أن لا يستوي في تقديرهم الصّالح والطّالح أو العاصي والمطيع، بل لكلّ ما يناسبه من الجزاء، فهم يسألون الله أن يجنّبهم عذاب النّار، لأن ذلك هو أول خطوة في الفوز كما تقدم في الآية السّابقة.
ثم أعقبوا دعاءهم هذا بأن يجنّبهم ما هو أشدّ من دخول النّار، وهو عذاب الخزي والإهانة على مرأى من النّاس: (رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدَ اَخْزَيْتَهُ’ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنَ اَنصَارٍ).
هذه الجملة الدّعائية هي لتعليل طلبهم الأول للتعبير عن خوفهم من الخزي وهو عذاب روحاني لا تطيقه الأنفس الأبيّة العزيزة، لأن الخزي إهانة علنية أمام الخلائق والعذاب الجسماني يكون أهون عليها، ومثل هذا الدّعاء من هؤلاء الصّالحين يشي بعظم حيائهم وهيبتهم من جلال الله، إذ استقرّ في وجدانهم أن لا ناصر للظّالمين في ذلك الموقف، وذلك ما يضاعف من حرصهم في الاستعاذة من عذاب النّار حتى يكونوا بمنجاة من الخزي والعار. وفي نسق هذا الدّعاء قول إبراهيم عليه السلام: (وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) (الشّعراء:87). وكذا إثبات فضل الله على المؤمنين في موقف الحشر بقوله: (يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيءَ وَالذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ’ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) (التّحريم:8).