سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٥١وللإمام الرّازي ملحظ دقيق إذ قال: "إنه تعالى جعل هذا المطلع مطلعاً لسورتين في القرآن: إحداهما هذه السّورة، وهي السّورة الرّابعة من النّصف الأول من القرآن. والثّانية: سورة الحجّ وهي أيضا السّورة الرّابعة من النّصف الثّالث من القرآن. ثم إنّه تعالى علّل الأمر بالتّقوى في هذه السّورة بما يدلّ على معرفة المبتدأ وهو أنّه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدلّ على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وكمال حكمته وجلاله. وعلّل الأمر بالتّقوى في سورة الحجّ بما يدلّ على معرفة المعاد، وهو قوله تعالى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) (الحج:1). فجعل صدر هاتين السّورتين دلالةً على معرفة المبدإ ومعرفة المعاد. ثم قدّم السّورة الدّالة على المبدأ على السّورة الدّالة على المعاد، وتحت هذا البحث أسرار كثيرة"(1)
وبعد هذه التّوطئة بين يدّي النّص نشرع في البيان والتّفسير لقوله تعالى: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً):
يُلاَحظ في هذا المفتتح الكريم براعة الاستهلال في الرّبط بين وحدة الاعتقاد: (اتَّقُواْ رَبَّكُم)، ووحدة النّوع: (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ). إنّه ربّ خالق واحد، كما أنكم -أيها المخاطبون- من أصل واحد. واختيار لفظ "الرّب" دون لفظ الجلالة هو للدّلالة على معنى الرّعاية والتّربية وتدبير شؤون الخلق مع تلك الإضافة التّشريفية: (رَبَّكُم). كما أن للتعبير: (مِّن نَّفْسٍ) بالنّفس في تقرير وحدة النّوع البشريّ دلالته المميّزة في تكريم هذا الإنسان بتلك الخصائص الرّوحية التي تسمو عن الأصل التّرابّي المتمثل في جسده الفاني.
(1) 1 - الفخر الرازي، التّفسير الكبير: 9/ 158.