سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٥٢ثم إن عطف الصّلة الثّانية عليها في قوله تعالى: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) يشير إلى المكانة العالية التي رفع الإسلام إليها المرأة بكونها من النّفس الأولى جنساً وشكلاً، فهي والرّجل صنوان متكاملان فطرةً وطبعاً، لا فرق بينهما في الأصل، اللّهم إلا ما يكون من الفرق في الاستعداد الطّبيعي وفي الوظيفة.
وقد اختلف العلماء في المقصود من النّفس الواحدة والمقصود من زوجها. فذهب الجمهور إلى أن النّفس الواحدة هي آدم عليه السلام ولذا يوصف بأنه "أبو البشر" وأن "زوجها" هي "حوّاء" عليها السلام، أخرجت من ضلع آدم كما تدلّ بعض الأحاديث على ذلك، مثل قوله عليه السلام: "استوصوا بالنّساء خيرا، فإنّهنّ خُلِقن من ضلع، وإنّ أعوج شيء في الضّلع أعلاه، وإن ذَهَبْتَ تُقِيمُه كَسَرْتَه، وإن تَرَكْتَه لم يزل أعوج".(1)
وفي هذه الحقيقة الوجودية من بدء الخلق خلاف بين العلماء والمتكلمين والفلاسفة، لأن معتقدات الأجناس البشرية في تحديد أصولها تختلف من جنس لآخر. فالذين يعتقدون بوحدة الأصل البشريّ في آدم يقولون بأنّه هو المقصود من النّفس الواحدة، والذين يعتقدون أن لكلّ صنف من البشر أباً يحملون النّفس الواحدة على ما يعتقدون. ويرى الإمام محمد عبده أن ليس في النّص القرآني ولا في ظاهره ما يثبت أن المراد بالنّفس الواحدة آدم عليه السلام، ونحن إزاء حقيقة غيبية يقول عنها الإمام نفسه: "نحن لا نحتجّ على ما وراء مدركات الحسّ والعقل إلاّ بالوحي الذي جاء به نبيئنا عليه السلام لا نزيد ولا ننقص كما قلنا مرات كثيرة، وقد أبهم الله تعالى ها هنا أمر النّفس التي خلق النّاس منها وجاء بها نكرة فندعها على إبهامها".(2)
(1) 1 - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الأنبياء، باب خلق آدم، حديث 3153، 3/ 1212. ورواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، حديث 1468، 2/ 1091.
(2) 2 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 4/ 324.