سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٦٩وقوله تعالى: (فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) يدلّ على أن ليست هناك طريقة محدّدة في ذلك، بل المدار على ما يناسب حال الوصّي ويتيمه بحسب ظروف الزّمان والمكان، فإن كان الوصّي غنيًّا فخير له أن يستعفف عن شيء من مال اليتيم، بل يبتغي بجهده ما عند الله، وذلك إذا صرفنا الأمر للنّدب. وإن كان لا بدّ من مقابل لجهده فله أن يأخذ أجر مثله لا غير. وأمّا إذا صرفنا الأمر للوجوب فلا يأكل من مال اليتيم شيئا، سيما إذا لم يكن له سوى الإشراف والتّفقد لمال اليتيم، وإذا كان الوصّي فقيرا فله أن يأكل بالمعروف ويرشد إلى ذلك قوله عليه السلام للوصّي الذي قال له: إني فقير وليس لي شيء فقال له: «كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي مالك بماله".(1)
(فَإِذَا دَفَعْتُمُ (إِلَيْهِم (أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً): الجملة تفريع عما سبق، وهي أمر بالإشهاد والتّوثيق عند دفع الأموال إلى اليتيم لتبرأ بذلك ذمّة الوصّي وتسدّ الطّريق عن كل الدّعاوى والخصومات، وهو مقصد شرعي حتى يتنامى الخير والإحسان بين النّاس. ويتعّين الأمر هنا للوجوب، وقيل: هو للنّدب. وحينئذ يكون الإشهاد حق للوصّي وله أن لا يفعله. يقول القطب -رحمه الله-: "والحاصل أنه يجب على ولّي اليتيم أو نحوه أن يعمل في تحصيل براءة ذمته من التّهمة والضّمان. والأمر للإرشاد قال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا مواضع التّهم" وقال: "من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم"."(2)
(1) 1 - رواه ابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، كتاب الوصايا، باب قوله: " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف"، حديث 2718، 2/ 907.
(2) 1 - رواه أبو داود في كتاب اللّقطة من حديث عياض.