نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٩٤

قلت: إن من الأسف الشّديد أن يترك المسلمون تنفيذ هذه الأحكام تقليدا لغيرهم سيما لأهل الكتاب، وقد ثبت حكم الرّجم عندهم في التّوراة قبل الإسلام، غير أن اليهود كانوا يتحايلون في تنفيذه، سيما إذا وقع الزنى من أحد كبرائهم. ولا تزال هذه القضية مثار جدل عند المسلمين، وقد أسندوا الحاكمية لغير الله في مثل هذه القضايا الحسّاسة الحيوية، وصيّروا دينهم طقوسا وأشكالا باهتة في تطبيقاتهم العملية، وعواطف خامدة في توجّهاتهم العقدية. (وَاللهُ مُتِمُّ نُّورَهُ’ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف8).

ثم يقول تعالى: (وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنكُمْ فَأَذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً): اللذان: مثنى "الذي"، فيقتضي رجلين ذكرين، فالأرجح أنهما المحصن وغير المحصن كما في رواية لابن عباس، وقيل: إن المراد بهما الرّجل والمرأة على طريقة التّغليب، أو هو لواط رجل بآخر على قول أبي مسلم. والضّمير في: (يَاتِيَانِهَا) عائد إلى الفاحشة. يقول الإمام ابن عاشور في توجيه معنى الآية: "وقد اختلف أئمة الإسلام في انتزاع هاتين العقوبتين من هذه الآية فقال ابن عباس ومجاهد: (وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ) يعمّ النّساء خاصة فشمل كل امرأة في سائر الأحوال بكرا كانت أم ثيّبا. وقوله: (اللَّذَانِ): تثنية أريد بها نوعان من الرّجال وهو المحصن والبكر، فيقتضي أن حكم الحبس في البيوت يختصّ بالزواني كلهن، وحكم الأذى يختصّ بالزناة كلهم".(1)

(1) 1 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتّنوير، 4/ 273.

٩٥٧ / ٦٬٧٦٧