سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٩٣وقوله تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ)،ولم يقل: في بيوتكم أو في بيوتهن مثلا، يدلّ على أن الضّمير يرجع إلى من يتولّى التّحقيق في الشّهادة ثم التّأديب بالحبس أو بالأذى وهم الولاة والقضاة. وقد جعل الله امتداد الحبس في البيوت إلى غاية الموت أو إنزال حكم آخر من عند الله بعقاب مناسب، وهو الجلد المقرّر في آية النّور بالنّسبة لغير المحصن والرّجم للمحصن الذي ثبت بالحديث الصّحيح الذي أجمع الصّحابة على العمل به وهو قوله عليه السلام: "خذوا عني، خذوا عني، قد جُعِل لهن سبيلا: البكر بالبكر ضرب مائة وتغريب عام، والثّيب بالثيب جلد مائة والرّجم".(1)
وقد قضى النّبي بالرّجم وحدّه في قضايا ثلاث: على ماعز بن مالك الأسلمي وعلى الغامدية وكلاهما بالإقرار، ولحديث أبي هريرة في قضاء الرّسول بين الرّجلين اللذين اختصما إليه، عندما وقع ولد أحدهما في زوجة الآخر -وهو أجير عنده- فجلد الرّسول الولد لأنه غير محصن، ورجم المرأة بعد اعترافها.
وللعلماء خلاف في الجمع بين الجلد والرّجم، أو بين الجلد والتّغريب، وهل بين الآيتين هنا وآيات سورة النّور نسخ أو هو بيان؟. وفي ذلك يقول قطب الأئمّة في تيسيره: "وآية الجلد ودلائل الرّجم بيان لا نسخ، وقبل ذلك تحبس بلا طلاق وينفق عليها زوجها وتردّ الصّداق لزوجها، وذلك الحبس للمباعدة عن الرّجال، وكأن الأمور بالتّدريج، وإن قلنا نزل الجلد والرّجم قبلها كان المراد حبس غير المحصنة بعد جلدها، وكان السّبيل تزوّجها بعد عدة الزّنى لأنه يغني عن الزّنى".(2)
(1) 1 - روى مسلم نحوه من حديث عبادة بن الصامت، كتاب الحدود، باب حد الزنى، حديث 1690، 3/ 1316. بلفظ " ونفي سنة". وانظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 1/ 478.
(2) 2 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير، 3/ 167.