9 - المعركة المفتعلة
صفحة ٢٦أما وقد خيَّل إليها أنها انتصرت في هذه المعركة التي افتعلها لها الرجل فأخرجها إلى حيث شبعت منها الأيدي والعيون حتى مجَّتها وأعرضت عنها، فأصبحت هي التي تلهث وراءه مخالفة بذلك سنة الفطرة التي عبت بها الأنثى في المخلوقات جميعاً، وصارت تقدم وسائل الإنتباه للرجل ولكنه وقد ارتوى من مشهدها وملمسها عزف عنها، فكانت تلهث وراءه بكل الوسائل، تنصب حوله الشباك لتوقعه بعد أن تذل وتبذل من كل مقوماتها، فطاردته باللحظة والحركة والكلمة واللمسة المقصودة، ثم فتحت من خزانتها رصيداً ضخماً تشتري به مساحيق التجميل، فلم يؤثر كل ذلك عليه، فكشفت له عن جسمها وهي تحتك به في العمل والشارع فلم يثر ذلك اهتمامه ولم يغنها شيئا.
وحار شيطان الغواية عندما فلم يعد يعرف ما هو السبيل، لعب بشعرها فشكله على مئات الأشكال، ولعب بوجهها حتى أخرجه من خلقته البشرية إلى صناعة الدمى، وحتى أن الناظر لا يجد صلة بين وجه تحمله الأنثى وهي مارة في الشارع ووجه تحمله تلك الأنثى نفسها وهي قارة في البيت، بل لعلها تتخذ لكل حفل ولكل وقت وجهاً غير الوجوه السابقة.
ولعب بجسمها فخنق منه مناطق حتى كادت تتقطع، وأبرز منه مناطق حتى صارت كأنها ثآليل ضخمة، أو نتوءات تتولد عنها أجسام أخرى غريبة.
واستمرت به الحيرة فكشف من جسمها أكثر أجزائه حتى بم يبق منه مستوراً إلا الجز اليسير، وعاد فستر منه كل شيء ولكن كل ذلك لم يغن فأصبحت المرأة تلهو باللباس، تكشف وتستر، وتستر وتكشف، وتطيل وتقصر، وتقصر وتطيل، وهي في كل ذلك تستجدي النظرة والبسمة والكلمة واللمسة، ولكن الرجل يمر بجانبها في برود، لأنه قد شبع وارتوى وأصبح ينظر إليها وهي كاسية كما ينظر إلى دمية علقت عليها ثياب للعرض، وينظر إليها وهي شبه عارية كما ينظر إلى أفخاذ البقر المسلوخة وهي معلََّّّّّّّّّّّّّّقة في دكاكين القصابين، لا تبعث في النفس إلا الأسف أو الإشمئزاز ..