الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى علي بن يحيى معمر

9 - المعركة المفتعلة

صفحة ٢٧

وجدت المرأة أن ما اعتقدته انتصاراً لها لك يحقق لها الحلم الورديّ، ولم يشبع منها إحساسها الفطري، فتمادت تبتكر جوانب أخرى للمعركة تشغل بها نفسها، فطالبت بكراسي الحكم، وطالبت بآلات العمل، وطالبت بقلب الوضع العائلي، وطالبت أن تقوم هي بأعمال الرجل وأن يقوم الرجل بأعمالها، ونالت كل تلك الطلبات، ولكنها مع ذلك بقيت في حيرتها متذبذبة متأرجحة متألمة، والرجل ينظر إليها ساخراً مستهزئا.

حاربته بالأنوثة المتقلبة فلم تفلح، وحاربته بالأنوثة العارية فلم تفلح، فاعتقدت أنها سوف تفلح إذا حاربته بخصائص الرجولة فلبست لباسه وتولَّت عمله وجلست في مكانه، ولكن هذا أيضاً لم يؤدَّ إلى نتيجة، لقد انتصر الرجل على المرأة حقاً وانتقم منها انتقاماً رائعاً وأخذ بثأره الذي ضاع منه آلاف السنين.

لقد كان باب الخباء أو باب البيت عند المرأة بمثابة ساحة القتال تُراق فيه الدماء من أجلها دون حساب، وإن همسة خافتة أو إشارة خفيفة تكفي لسلّ السيوف وتقطيع الرقاب، أما الكلمة أو الصرخة منها فقد كانت تشغل نيران حروب وتقضي وبين يديها وهي تنظر معجبة بنفسها.

وكم من أبطال أعزاء يذلون أمامها ويتوسلون إليها، بل إن منهم من يضفي عليها لقب المعبودة وينظر إليها كما ينظر إلى إله، فإذا جادت عليه ببسمة أو كلمة، رقص من السعادة وغنَّى من الفرح.

لقد انقلبت القضية الآن وأصبحت تلك المرأة العزيزة المحبوبة التي يتقاتل الرجال من أجلها تجري في الشارع عارية الرأس مكشوفة الصدر والسوق ملطَّخة الوجه، كأنما وقعت في بركة من الوحل تلتمس كلمة إطراء فلا تسمعها، وتستجدي نظرة إعجاب فلا تلمحها، أما حرارة الغزل التي كان يسكنها القلب المحب المحروم في آذان الحبيبة المصونة فقد أطفأتها لهفة المرأة المتحررة في الحصول على أي رجل يضعه القدر بين يديها.

٢٧ / ٦٠