الفصل الثالث: في الشفاعة
الجزء ١ · صفحة ١٤٢وذكر جابر بن زيد (رضي الله عنه) أنه لما نزلت (وانذر عشيرتك الأقربين)( 8) جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفخذ أفخاذ قريش فخذاً فخذاً، حتى أتى على بني عبدالمطلب، فقال: »يا بني عبدالمطلب، إن الله أمرني أن أنذركم، ألا وإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، ألا وإن أوليائي هم المتقون، ألا لأعرفن ما جاء الناس غداً بالدين، وجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً«( 9) فإن قيل المؤمنون مستوجبون للجنة بأعمالهم، فلا معنى للشفاعة لهم، فالجواب إن الشفاعة لهم هي طلب تنقلهم في المحشر، ودخولهم الجنة بسرعة.
ويمكن أن تكون هي طلب زيادة فضل لهم، وثواب يعطونه، ونعيم في الجنة، ورفع درجة فوق ما يستوجبون بأعمالهم، الله اجعلنا من أهل شفاعة نبيك صلى الله عليه وسلم.
»ومن يقل بغير« ما قلنا من أن الشفاعة للمؤمنين فخالف، وقال بل هي لأهل الكبائر، محتجاً بما رووه من طريق أنس: »أعدت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي«( 10) وزعم أن أهل الكبائر يخرجون من النار بشفاعة الرسول لهم، فهو كافر كفر نعمة إذا ظهر منه هذا التأويل الفاسد، فإن لم يظهر منه تأويل فهو كافر كفر شرك، لا يناكح ولا يوارث وهو المراد بقوله: »أي أشر منزل« وكان تولد هذين الحكمين إنما هما( 11) لمخالفة كتاب الله وسنة رسول الله، وقد تقدم ذكرهما، ومخالفة »الألباب« وهي العقول، إذ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر ما جاز لأحد أن يسأل أن يكون من أهل الشفاعة، لأنه إنما يسأل بذلك أن يكون من أهل الكبائر على زعمهم، وكتاب الله ناطق بتكذيبهم كقوله: (فما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)(12 ).
--------------------------------------
(1 ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) قال: الشفاعة«. أخرجه البيهقي في الشعب: 1/281 و282، ح299، وح300، عن أبي هريرة.