بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الفصل الثاني: في الميزان والصراط

الجزء ١ · صفحة ١٣٩

الفصل الثاني: في الميزان والصراط

»إنما« أداة قصر، قصر بها تفسير الميزان يوم القيامة على العدل والإنصاف وهو قصر قلب، وذلك أن بعض المخالفين ذهب إلى أن الميزان هو عمود وكفتان، ينصبه (تعالى) يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وزعموا أن من رجحت كفة حسناته على كفة سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت كفة سيئاته على كفة حسناته دخل النار، ووصفوا الميزان بأوصاف لا حاجة لذكرها هنا، ورووا في ذلك أحاديث لم تثبت عندنا، وتعلقوا من الكتاب بنحو قوله (تعالى): (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون& ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون)(1 ) ونحن نقول إن هذه الموازين المذكورة عبارة عن معنى السعادة والشقاوة، فثقل الميزان كناية عن السعادة وخفته كناية عن الشقاوة، والعرب كانت تعبر بثقل الميزان عن علو الشأن، وبخفته عن عكس ذلك، قال الشاعر:

وقد تعبِّر بالوزن للشيء عن العلم به، كما في قوله (تعالى): (وأنبتنا فيها من كل شيء موزون)(3 ) أي: معلوم المقدار عنده (تعالى)، أما الوزن المفسر عندنا بالعدل والإنصاف المشار إليه في النظم، فهو ما في قوله (تعالى): (ونضع الموازين بالقسط ليوم القيامة)( 4) فالقسط بدل من الموازين لا نعت له، كما يدل عليه قوله (تعالى): (والوزن يومئذ الحق)(5 ) وإنما عدلنا في تفسير الميزان عن حقيقته المشهورة إلى ما ذكرناه من العدل والإنصاف، لأن حمله على حقيقته المشهورة محال، ووجه ذلك أن أعمال العباد أعراض، ووزن الأعراض محال، ولذا تردد الخصم في حقيقة الموزون، حتى زعم بعضهم أن الموزون هم الأشخاص، وبعضهم أن الله يخلق في إحدى الكفتين ظلمة، وفي الأخرى نوراً، وبعضهم أن الأعمال تتجسد، فتوزن الأجساد، والكل باطل.

١٣٩ / ٢٣٦