بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الفصل الأول: في التقية

الجزء ١ · صفحة ٢٢٨

وثانيهما: فعل يقبل الإكراه والجبر، وذلك كأكل الميتة وأكل الدم وأكل لحم الخنزير ونحو ذلك مما أبيح لنا فعله في الاضطرار إليه، فأجار التقية به قوم ومنعها به آخرون، وحجة المجوزين للتقية به أن هذه الأشياء قد أباحها الله لنا في حال الاضطرار لها، ومقام الجبر والإكراه مقام اضطرار، فجار لنا لذلك، وأيضاً فإن الحكمة من شرعية الإباحة لفعل ما ذكر عند الاضطرار إنما هي حفظ النفس وهي حاصلة هاهنا، قال المانعون: إن إباحة ما ذكر مقيدة بالاضطرار في المخمصة، فلا تكون الإباحة في غير المخمصة وإن اضطر إلى فعله، قلنا: ذكر المخمصة في الآية لا مفهوم له، وإنما هو جاز على الأغلب من أحوال الاضطرار، فإن الغالب من حال الاضطرار إلى أكل ما ذكر إنما هو في حال المخمصة، والتقييد بالأغلب المعتاد لا مفهوم له، لأنه لم يذكر للقيد، فبهذا التحقيق يظهر لك صحة القول بجواز التقية بأكل نحو الميتة، والله أعلم.

إذا أكره المكلف على فعل شيء يجب على فاعله الحد كالسرقة والزنا فهل يقام عليه ذلك الحد أم لا؟ قال قوم: يقام عليه الحد بذلك لأنه فعل موجبه والتقية بفعله حرام، فلا يدفع عنه الحد بذلك، وقال قوم: يدفع عنه الحد بذلك لحصول الشبهة بالإكراه، وفي الحديث: »ادرأوا الحدود بالشبهات«(8 ) وهذه شبهة، فلا يقام معها الحد، وهذا القول أظهر ودليله أوضح، فقول الناظم: »في أن لا يحد نستحب« اختيار هذا القول، ومعناه أن استحبابنا في عدم حده.

٢٢٨ / ٢٣٦