سؤال أهل الذكر (86 حلقة، مبوب) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الموضوع: الاعتكاف

الجزء ٢ · صفحة ٣٥٠

فهناك نستطيع أن نقول ملايين الملايين من الألسنة في جسم الإنسان الواحد تسبح بحمد الله تسبيحاً صامتاً، وإن كان هذا التسبيح لا يصل إلى فهمه وإدراكه إلا أولوا البصائر الذين نوّر الله تبارك وتعالى بصائرهم حتى عرفوا أن الكائنات بأسرها منتظمة في هذا النظام العجيب، وأما حركة الإنسان الاضطرارية هي أيضاً منسجمة مع نظام الوجود، وشذوذ الإنسان بعدم تفاعله مع ذلك عندما يكون خارجاً عن المنهج الرباني يؤدي به إلى النشاز بينه وبين نفسه، يدرك ذلك أولوا البصائر كما قلت.

وهذا ما قاله بعض العلماء الربانيين عندما كان يفكر في مثل هذه الأمور وهو الإمام الرباني سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله تعالى فقد قال:

أعاين تسبيحي بنور جناني … فأشهد مني ألف ألف لسان

وكل لسان أجتلي من لغاته … إذاً ألف ألف من غريب أغاني

ويُهدى إلى سمعي بكل لُغَيّةٍ … هُدى ألف ألف من شتيت معاني

وفي كل معنى ألف ألف عجيبة … يقصّر عن إحصائها الثقلان

ولم أذكر الأعداد إلا إشارة … كأني في أوصاف ميططران

وإلا ففوق العد أمر منزه … عن الحد يفنى دونه الملوان

ولا تتعجب إن عجبت فإنها … حقائق صدق ليس بالهذيان

فالإنسان إذاً الذي يخرج بنفسه من هذا العالم المادي الضيق بحيث يأوي إلى ربه سبحانه في بيت من بيوته، مستشرفاً عالم الغيب، متطلعاً إلى نفحات الله تبارك وتعالى يحس هذا الإنسان بروحانية عجيبة، يُحس بأنه خرج من سجن كان فيه إلى رحاب واسعة لا يحيط بها إلا الله تبارك وتعالى، يحس أنه خرج إلى رحاب عالمية واسعة لا يمكن أن يحيط بها فكره، ولا يمكن أن يحيط بها علمه إنما المحيط بها هو الله سبحانه، بل يشعر أنه يعيش في الملأ الأعلى.

٨٣٦ / ١٬٣٦٠