المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

المجازاة وحروفها

الجزء ١ · صفحة ٧١

أين تضرب بنا العداة تجدنا … نصرف العيس نحوها للتلاقي

و ب أنى قوله:

فأصبحت أنى تأتها تلتبس بها … كلا مركبيها تحت رجليك شاجر

و من حروف المجازاة مهما. وإنما أخرنا ذكرها؛ لأن الخليل زعم أنها ما مكررة، وأبدلت من الألف الهاء. وما الثانية زائدة على ما الأولى؛ كما تقول: أين وأينما، ومتى ومتى ما، وإن وإما، وكذلك حروف المجازاة إلا ما كان من حيثما وإذما. فإن ما فيهما لازمة. لا يكونان للمجازاة إلا بها، كما تقع رب على الأفعال إلا ب ما في قوله: " ربما يود الذين كفروا " ، ولو حذفت منها ما لم تقع إلا على الأسماء النكرات، نحو: رب رجل يا فتى.

و المجازاة ب أي قوله: " أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى " .

و ب متى قول طرفة:

متى تأتني أصبحك كأساً رويةً … و إن كنت عنها غانياً فاغن وازدد

و هذه الحروف كلها هذا مجازها.

فأصل الجزاء أن تكون أفعاله مضارعةً؛ لأنه يعربها. ولا يعرب إلا المضارع. فإذا قلت: إن تأتني آتك. ف تأتني مجزومة بإن، وآتك مجزومة بإن وتأتني ونظير ذلك من الأسماء قولك: زيد منطلق. فزيد مرفوع بالابتداء. والخبر رفع بالابتداء والمبتدأ.

و لا تكون المجازاة إلا بفعل؛ لأن الجزاء إنما يقع بالفعل، أو بالفاء لأن معنى الفعل فيها.

فأما الفعل فقولك: إن تأتني أكرمك، وإن تزرني أزرك.

و أما الفاء فقولك: إن تأتني فأنا لك شاكر، وإن تقم فهو خير لك.

و قد يجوز أن تقع الأفعال الماضية في الجزاء على معنى المستقبلة؛ لأن الشرط لا يقع إلا على فعل لم يقع. فتكون مواضعها مجزومة، وإن لم يتبين فيها الإعراب؛ كما أنك إذا قلت: جاءني خمسة عشر رجلاً كان موضعه موضع رفع وإن لم يتبين فيه البناء. وكذلك جاءني من عندك، ومررت بالذي في الدار؛ كل ذلك غير معرب في اللفظ وموضعه موضع الإعراب.

و ذلك قولك: إن أتيتني أكرمتك، وإن جئتني جئتك.

فإن قال قائل: فكيف أزالت الحروف هذه الأفعال عن مواضعها وإنما هي لما مضى في الأصل؟ قيل له: الحروف تفعل ذلك لما تدخل له من المعاني؛ ألا ترى أنك تقول: زيد يذهب يا فتى فيكون لغير الماضي. فإن قلت: لم يذهب زيد كان ب لم نفياً لما مضى، وصار معناه: لم يذهب زيد أمس، واستحال لم يذهب زيد غداّ.

و إنما قلنا: إن إن أصل الجزاء؛ لأنك تجازي بها في كل ضرب منه. تقول: إن تأتني آتك، وإن تركب حماراً أركبه، ثم تصرفها منه في كل شيء. وليس هكذا سائرها. وسنذكر ذلك أجمع.

تقول في من: من يأتني آته، فلا يكون ذلك إلا لما يعقل. فإن أردت بها غير ذلك لم يكن.

فإن قال قائل: فقد قال الله عز وجل: " و الله خلق كل دابةٍ من ماءٍ فمنهم من يمشي على بطنه " فهذا لغير الآدميين، وكذلك " و منهم من يمشي على أربع " .

قيل: إنما جاز هذا؛ لأنه قد خلط مع الآدميين غيرهم بقوله: " والله خلق كل دابةٍ من ماءٍ " ، وإذا اختلط المذكوران جرى على أحدهما ما هو للآخر إذا كان في مثل معناه، لأن المتكلم يبين به ما في الآخر وإن كان لفظه مخالفاً. فمن ذلك قول الشاعر:

شراب ألبانٍ وتمرٍ وإقط

فالتمر والإقط لا يقال فيهما: شربا، ولكن أدخلهما مع ما يشرب فجرى اللفظ واحداً، والمعنى أن ذلك يصير إلى بطونهم. ومثله:

يا ليت زوجك قد غدا … متقلداً سيفاً ورمحا

لأن معنى المتقلد: حامل، فلما خلط بينهما جرى عليهما لفظٌ واحد. وعلى هذا أنشدوا بيت الحطيئة:

سقوا جارك العيمان لما جفوته … و قلص عن برد الشراب مشافره

سناماً ومحضاً أنبتا اللحم فاكتست … عظام امرىءٍ ما كان يشبع طائره

و ليس هذا بشيء. إنما الرواية: قروا. والدليل على ذلك أنه بدأ بالسنام فلا يقع إلى جانب سقوا.

و قال قوم: بلى كان السنام يذاب في المحض فيشرب. فإن كان كذاك فلا حجة في البيت.

و ما تكون لغير الآدميين؛ نحو ما تركب أركب، وما تصنع أصنع. فإن قلت: ما يأتني آته تريد: الناس لم يصلح.

فإن قيل: فقد قال الله عز وجل: " و السماء وما بناها " . ومعناه: ومن بناها، وكذلك " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " .

٧١ / ٢٨٤