المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

المجازاة وحروفها

الجزء ١ · صفحة ٧٢

قيل: قد قيل ذلك. والوجه الذي عليه النحويون غيره، إنما هو والسماء وبنائها، وإلا على أزواجهم أو ملك أيمانهم. فهي مصادر وإن دلت على غيرها ممن يملك. كقولك: هذا ملك يمينك، وهذا الثوب نسج اليمن وهذا الدرهم ضرب الأمير. ولو كان على ما قالوا لكان على وضع النعت في موضع المنعوت لأن ما إنما تكون لذوات غير الآدميين. ولصفات الآدميين. تقول: من عندك؟ فيقول: زيدٌ. فتقول: ما زيدٌ؟ فيقول: جوادٌ أو بخيلٌ أو نحو ذلك، فإنما هو لسؤال عن نعت الآدميين. والسؤال عن كل ما يعقل ب من كما قال عز وجل: " أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض " . ف من لله عز وجل؛ كما قال: " أمن يجيب المضطر إذا دعاه " وهذا في القرآن أكثر. وقال تبارك اسمه: " و من عنده لا يستكبرون عن عبادته " . يعني الملائكة. وكذلك في الجن في قوله: " فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً " فهذا قولي لك: إنها لما يخاطب ويعقل.

و من هذه الحروف متى ولا تقع إلا للزمان، نحو: متى تأتني آتك، ومتى خرج زيد؟ في الاستفهام. فجواب هذا يوم الجمعة وما أشبهه.

و كذلك أين لا تكون إلا للمكان. وذلك كله مخطور معروف في الجزاء والاستفهام. وحيث وقع حرف من هذه الحروف.

فأما إن فإنها ليست باسم ولا فعل، إنما هي حرف، تقع على كل ما وصلته به ، زماناً كان أو مكاناً أو آدمياً أو غير ذلك. تقول: إن يأتني زيدٌ آته. وإن يقم في مكان كذا وكذا أقم فيه، وإن تأتني يوم الجمعة آتك فيه.

و كذلك الألف في الاستفهام. تدخل على كل ضرب منه، وتتخطى ذلك إلى التقرير والتسوية: فالتقرير: قولك: أما جئتني فأكرمتك. وقوله عز وجل: " أليس في جهنم مثوىً للمتكبرين " .

و التسوية: ليت شعري أقام زيد أم قعد. وقد علمت أزيد في الدار أم عمرو.

فأما قولنا في إذ وحيث: إن الجزاء لا يكون فيهما إلا بما وما ذكرنا من أنا سنفسره فهذا موضع تفسيره.

أما إذ فتنبىء عن زمان ماض، وأسماء الزمان تضاف إلى الأفعال فإذا أضيفت إليها كانت معها كالشيء الواحد، ومتى جزمتها فصلت منها؛ ألا ترى أنك تقول: جئتك يوم خرج زيدٌ، وهذا يوم يخرج زيد، و " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " فلما وصلتها ب ما جعلتهما شيئاً واحداً فانفصلت من الإضافة فعملت.

و حيث اسم من أسماء المكان مبهمٌ يفسره ما يضاف إليه. فحيث في المكان كحين في الزمان فلما ضارعتها أضيفت إلى الجمل، وهي الابتداء والخبر، أو الفعل والفاعل. فلما وصلتها ب ما امتنعت من الإضافة فصارت ك إذ إذا وصلتها ب ما.

فأما سائر الحروف التي ذكرنا سواهما فأنت في زيادة ما وتركها مخير. تقول: إن تأتني آتك، وإما تأتني آتك، وأين تكن أكن، وأينما تكن أكن، وأياً تكرم يكرمك، و " أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى " .

ف ما تدخل على ضربين: أحدهما: أن تكون زائدة للتوكيد فلا يتغير الكلام بها عن عمل ولا معنى. فالتوكيد ما ذكرته في هذه الحروف سوى حيثما وإذما. واللازم. ما وقع فيهما. ونظيرهما قولك: إنما زيد أخوك. منعت ما إن عملها، وكذلك جئتك بعد ما عبد الله قائم، فهذا خلاف قولك: بعد عبد الله، وكذلك:

أعلاقةً أم الوليد بعدما … أفنان رأسك كالثغام المخلس

و كذلك رب، تقول: رب رجلٍ، ولا تقول: رب يقوم زيد. فإذا ألحقت ما هيأتها للأفعال فقلت: ربما يقوم زيد، و " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " .

و كذلك قل تقول: قل رجلٌ يقول ذلك، فإن أدخلت ما امتنعت من الأسماء وصارت للأفعال، فقلت: قلما يقوم زيد. ومثل هذا كثير.

فأما إذا فتحتاج إلى الابتداء والجواب. تقول: إذا جاءني زيد أكرمته. وإذا يجيء زيد أعطيته.

و إنما منع إذا من أن يجازى بها؛ لأنها مؤقتة وحروف الجزاء مبهمة، ألا ترى أنك إذا قلت: إن تأتني آتك فأنت لا تدري أيقع منه إتيان أم لا؟ وكذلك من أتاني أتيته. إنما معناه: إن يأتني واحد من الناس آته.

فإذا قلت: إذا أتيتني وجب أن يكون الإتيان معلوماً؛ ألا ترى إلى قول الله عز وجل: " إذا السماء انفطرت " ، و " إذا الشمس كورت " و " إذا السماء انشقت " أن هذا واقع لا محالة.

و لا يجوز أن يكون في موضع هذا إن، لأن الله عز وجل يعلم، وإن إنما مخرجها الظن والتوقع فيما يخبر به المخبر. وليس هذا مثل قوله: " إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " لأن هذا راجع إليهم.

٧٢ / ٢٨٤