المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

المجازاة وحروفها

الجزء ١ · صفحة ٧٦

فأما إن تأتني أتيتك، فإن بعضهم قد يجيزه في غير الشعر؛ كما أجازوا إن أتيتني آتك. وقد مضى قولنا في الفصل بينهما.

قال الشاعر على إرادة الفاء:

و إني متى أشرف على الجانب الذي … به أنت من بين الجوانب ناظر

و هو عندي على إرادة الفاء. والبصريون يقولون: هو على إرادة الفاء، ويصلح أن يكون على التقديم؛ أي: وإني ناظر متى أشرف.

و كذلك قول الشاعر:

يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع … إنك إن يصرع أخوك تصرع

و قال آخر:

فقلت: تحمل فوق طوقك، إنها … مطبعةٌ من يأتها لا يضيرها

يريد: لا يضيرها من يأتها.

و أما قول عبد الرحمن بن حسان:

من يفعل الحسنات الله يشكرها … و الشر بالشر عند الله مثلان

فلا اختلاف بين النحويين في أنه على إرادة الفاء؛ لأن التقديم فيه لا يصلح.

هذا باب ما تحتمل حرف الجزاء من الفصل بينها وبين ما عملت فيه أما إن إذا لم تجزم فالفصل بينها وبين ما عملت فيه في الظاهر جائز بالاسم. وذلك قوله: إن الله أمكنني من فلان فعلت، وإن زيدٌ أتاني أكرمته؛ كما قال الشاعر:

عاود هراة وإن معمورها خربا

و إنما تفسير هذا: أنك أضمرت الفعل بينها وبين الاسم، فتقديره: إن أمكنني الله من زيد، وإن خرب معمورها. ولكنه أضمر هذا، وجاء بالفعل الظاهر تفسير ما أضمر، ولو لم يضمر لم يجز؛ لأن الجزاء لا يكون إلا بالفعل. وإنما احتملت إن هذا في الكلام، لأنها أصل الجزاء، كما تحتمل الألف في الاستفهام تقديم الاسم في نحو قولك: أزيدٌ قام؟ لأنها أصل الاستفهام. لو وقلت: هل زيد قام؟ لم يصلح إلا في الشعر؛ لأن السؤال إنما هو عن الفعل، وكذلك متى زيدٌ خرج؟ وأين زيدٌ قام؟ وجميع حروف الاستفهام غير ألف الاستفهام لا يصلح فيهن إذا اجتمع اسم وفعل إلا تقديم الفعل، إلا أن يضطر الشاعر.

و الفعل في الجزاء أوجب؛ لأن الجزاء لا يكون إلا بالفعل، والاستفهام قد يكون عن الأسماء بلا فعل، تقول: أزيدٌ أخوك؟؟ أزيدٌ في الدار؟ ولا يكون مثل هذا في الجزاء وسائر حروف الجزاء سوى إن. لا يجوز فيها هذا في الكلام ولا في إن إذا جزمت. لا تقول: من زيدٌ يأته يكرمه، ولا إن زيدٌ يأتني آته، ولا أين زيدٌ أتاني أتيته، ولا من زيدٌ أتاه أكرمه. فإن اضطر شاعر جاز فيهن الفصل، جزمن أو لم يجزمن.

و جاز ذلك في حروف الجزاء دون سائر عوامل الأفعال؛ لأنه يقع بعدهن المستقبل والماضي. ولا يكون ذلك في غيرهن من العوامل. فلما تمكن هذا التمكن احتملن الإضمار والفصل.

فمما جاء في الشعر قوله:

صعدةٌ نابتةٌ في حائرٍ … أينما الريح تميلها تمل

و قال الآخر:

فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمنٌ … ومن لا نجره يمس منا مفزعا

و قال الآخر:

فمتى واغلٌ ينبهم يحيو … ه وتعطف عليه كأس الساقي

و اعلم أن المفعول إذا وقع في هذا الموضع وقد شغل الفعل عنه انتصب بالفعل المضمر، لأن الذي بعده تفسير له؛ كما كان في الاستفهام في قولك: أزيداً ضربته، " أبشراً منا واحداً نتبعه " . وذلك قولك: إن زيداً تره تكرمه، ومن زيداً يأته يعطه، وإن زيداً لقيته أكرمته، وكذلك إذا لأنها لا تقع إلا على فعل. تقول: إذا زيداً لقيته فأكرمه، قال:

لا تجزعي إن منفساً أهلكته … و إذا هلكت فعند ذلك فاجزعي

و قال الآخر:

إذا ابن أبي موسى بلالاً بلغته … فقام بفاسٍ بين وصليك جازر

و لو رفع هذا رافعٌ على غير الفعل لكان خطأ، لأن هذه الحروف لا تقع إلا على الأفعال. ولكن رفعه يجوز على ما لا ينقض المعنى، وهو أن يضمر بلغ، فيكون إذا بلغ ابن أبي موسى. وقوله: بلغته إظهارٌ للفعل وتفسيرٌ للفاعل.

و كذلك: لا تجزعي إن منفسٌ أهلكته على أن يكون المضمر هلك.

و كذلك هذه الآيات كلها، وهي: " إذا السماء انشقت " و " إذا الشمس كورت " وإنما المعنى والله أعلم إذا كورت الشمس، وإذا انشقت السماء.

و الجواب في جميع هذا موجود، لأن هذه لا تكون إلا بأجوبة. فالجواب في قوله: " إذا الشمس كورت " " علمت نفسٌ ما أحضرت " . والجواب في قوله: " إذا السماء انفطرت " " علمت نفسٌ ما قدمت وأخرت " .

فأما قوله: " إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت " فقد قيل فيه أقاويل:

٧٦ / ٢٨٤