المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

المجازاة وحروفها

الجزء ١ · صفحة ٧٥

و إنما جاز الإضمار هاهنا، ولم يجز حيث كانا متوسطين بين الجزاء وجوابه؛ لأن الكلام قد تم فاحتمل الاستئناف، ولا تكون الحال في ثم ولا الفاء؛ لأنهما لا تكونان إلا بعد. إلا أن الفاء، والواو يجوز بعدهما النصب على إضمار أن؛ لأن الجزاء غير واجب آخره إلا بوجوب أوله. وقد تقدم ذكرنا لهذا في باب الفاء والواو.

و قد قرئ هذا الحرف على ثلاثة أوجه: " يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء " بالجزم وهو أجودها، ويليه الرفع، ثم النصب. والأمر فيه على ما ذكرت لك.

و لو قلت: من لا يأتني فيكرمني آته كان النصب جيداً من أجل النفي. وصار كقولك: ما تأتيني فتكرمني: أي كلما أتيتني لم تكرمني. فموضعه لم تأتني مكرماً، وهاهنا أعني في الجزاء إلى ذا يرجع إذا قلت: من لا يأتني فيكرمني آته، لأن معناه: من لا يأتني مكرماً.

و قال:

ومن لا يقدم رجله مطمئنةً … فيثبتها في مستوى الأرض يزلق

كأنه قال: من لا يقدم رجله مثبتاً.

هذا باب ما يجوز من تقديم جواب الجزاء عليه وما لا يجوز إلا في الشعر اضطراراً أما ما يجوز في الكلام فنحو: آتيك إن أتيتني، وأزورك إن زرتني. ويقول القائل: أتعطيني درهماً؟ فأقول: إن جاء زيد. وتقول: أنت ظالمٌ إن فعلت. فإن قلت: آتي من أتاني، وأصنع ما تصنع لم يكن هاهنا جزاء؛ وذلك أن حروف الجزاء لا يعمل فيها ما قبلها.

و لو قلت: آتي من أتاني، للزمك أن يكون منصوباً بالفعل الذي قبلها. وهذا لا يكون؛ لأن الجزاء منفصل كالاستفهام، ولو قلت: آتيك متى أتيتني، أو أقوم أين قمت على أن تجعل متى وأين ظرفين لما بعدهما كان جيداً، وكانتا منقطعتين من الفعل الأول، إلا أنك لما ذكرته سد مسد جواب الجزاء. فإن أردت أن يكونا ظرفين لما قبلهما استحال؛ لأن الجزاء لا يعمل فيه ما قبله؛ كما لا يعمل هو فيما قبله؛ ألا ترى أنك لا تقول: زيداً إن تأت يكرمك، ولا زيداً متى تأت تحببه. فإذا كان الفعل ماضياً بعد حرف الجزاء جاز أن يتقدم الجواب؛ لأن إن لا تعمل في لفظه شيئاً، وإنما هو في موضع الجزاء، فكذلك جوابه يسد مسد جواب الجزاء.

و يحسن في الكلام: إن أتيتني لأقومن، وإن لم تأتني لأغضبن.

فسيبويه يذهب إلى أنه على التقديم والتأخير، كأنه قال: لأغضبن إن لم تأتني ولأقومن إن أتيتني.

و الذي قال لا يصلح عندي، لأن الجواب في موضعه فلا يجب أن يقدر لغيره، ألا ترى أنك تقول: يضرب غلامه زيدٌ؛ لأن زيد في المعنى مقدم؛ لأن حق الفاعل أن يكون قبل المفعول. ولو قلت: ضرب غلامه زيداً لم يجز، لأن الفاعل في موضعه فلا يجوز أن يقدر لغيره.

و لكن القول عندي أن يكون الكلام إذا لم يجز في موضع الجواب مبتدأ على معنى ما يقع بعد الفاء، فكأنك قدرته وأنت تريد الفاء؛ كما أنك تقول: أعجبني الذي ضرب زيداً، فإن جعلت الألف واللام في موضع الذي كان صلتها على معنى صلة الذي لا على لفظها.

تقول: أعجبني الضارب زيداً، لأن الألف واللام للأسماء، فلا يليان ضرب؛ لامتناع ما يكون للأسماء من الأفعال.

فمن ذلك قول زهير:

و إن أتاه خليلٌ يوم مسألة … يقول: لا غائبٌ ما لي ولا حرم

فقوله: يقول على إرادة الفاء على ما ذكرت لك.

و من ذلك قول الله عز وجل: " و أما إن كان من أصحاب اليمين. فسلامٌ لك من أصحاب اليمين " الفاء لا بدٌ منها في جواب أما، فقد صارت هاهنا جواباً لها، والفاء وما بعدها يسدان مسد جواب إن.

و لو كان هذا في الكلام: أما إن كان زيد عندك فله درهم، لكان تقديره: مهما يكن من شيءٍ فلزيد درهم إن كان عندك؛ لأن أما فيها معنى الجزاء واقع ولا بد من الفاء. وتقديرها ما ذكرت لك.

ألا ترى أنك تقول: أما زيد فمنطلق، " فأما اليتيم فلا تقهر " فالمعنى: مهما يكن من شيءٍ فلا تقهر اليتيم.

و لو اضطر شاعر فحذف الفاء وهو يريدها لجاز؛ كما قال:

أما القتال لا قتال لديكمو … و لكن سيراً في عراض المواكب

و أما ما لا يجوز إلا في الشعر فهو: إن تأتني آتيك، وأنت ظالم إن تأتني؛ لأنها قد جزمت، ولأن الجزاء في موضعه، فلا يجوز في قول البصريين في الكلام إلا أن توقع الجواب فعلاً مضارعاً مجزوماً أو فاء، إلا في الشعر.

٧٥ / ٢٨٤