الأمر والنهي
الجزء ١ · صفحة ٨٧و قد كان قوم من النحويين يزعمون أن هذا مجزوم، وذلك خطأ فاحش؛ وذلك لأن الإعراب لا يدخل من الأفعال إلا فيما كان مضارعاً للأسماء.
و الأفعال المضارعة هي التي في أوائلها الزوائد الأربع: الياء، والتاء، والهمزة، والنون. وذلك قولك: أفعل أنا، وتفعل أنت، ويفعل هو، ونفعل نحن. فإنما تدخل عليها العوامل وهي على هذا اللفظ.
و قولك: اضرب، وقم ليس فيه شيء من حروف المضارعة، ولو كانت فيه لم يجز جزمه إلا بحرف يدخل عليه فيجزمه. فهذا بين جداً.
و يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " فبذلك فلتفرحوا " فهذا مجزوم جزمته اللام وجاءت هذه القراءة على أصل الأمر، فإذا لم يكن الأمر للحاضر المخاطب فلا بد من إدخال اللام، تقول: ليقم زيد، وتقول: زر زيداً وليزرك. إذا كان الأمر لهما؛ لأن زيداً غائب، ولا يكون الأمر له إلا بإدخال اللام.
و كذلك إن قلت: ضرب زيد فأردت الأمر من هذا: ليضرب زيد، لأن المأمور ليس بمواجه.
و اعلم أن الدعاء بمنزلة الأمر والنهي في الجزم والحذف عند المخاطبة، وإنما قيل: دعاء وطلبٌ للمعنى؛ لأنك تأمر من هو دونك، وتطلب إلى من أنت دونه. وذلك قولك: ليغفر الله لزيد وتقول: اللهم اغفر لي؛ كما تقول: اضرب عمراً.
فأما قولك: غفر الله لزيد، ورحم الله زيداً، ونحو ذلك فإن لفظه لفظ الخبر ومعناه الطلب؛ وإنما كان كذلك ليعلم السامع أنك لا تخبر عن الله عز وجل وإنما تسأله. كما أن قولك: علم الله لأقومن. إنما لفظه لفظ رزق الله ومعناه القسم؛ لأنك في قولك: علم مستشهدٌ.
و تقول: يا زيد ليقم إليك عمرو، ويا زيد لتدع بني عمرو.
و النحويون يجيزون إضمار هذه اللام للشاعر إذا اضطر، ويستشهدون على ذلك بقول متمم بن نويرة:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي … لك الويل حر الوجه أو يبك من بكى
يريد: أو ليبك من بكى. وقول الآخر:
محمد تفد نفسك كل نفسٍ … إذا ما خفت من شيءٍ تبالا
فلا أرى ذلك على ما قالوا؛ لأن عوامل الأفعال لا تضمر، وأضعفها الجازمة؛ لأن الجزم في الأفعال نظير الخفض في الأسماء. ولكن بيت متمم حمل على المعنى؛ لأنه إذا قال: فاخمشي فهو في موضع فلتخمشي، فعطف الثاني على المعنى.
و أما هذا البيت الأخير فليس بمعروف، على أنه في كتاب سيبويه على ما ذكرت لك.
و تقول: ليقم زيد، ويقعد خالد، وينطلق عبد الله؛ لأنك عطفت على اللام.
و لو قلت: قم ويقعد زيد لم يجز الجزم في الكلام. ولكن لو اضطر شاعر فحمله على موضع الأول لأنه مما كان حقه اللام كان على ما وصفت لك.
و اعلم أن هذه اللام مكسورةٌ إذا ابتدئت فإذا كان قبلها فاء أو واو فهي على حالها في الكسر. وقد يجوز إسكانها، وهو أكثر على الألسن. تقول: قم وليقم زيد " فلتقم طائفةٌ منهم معك " " ولتكن منكم أمةٌ " . وإنما جاز ذلك؛ لأن الواو والفاء لا ينفصلان، لأنه لا يتكلم بحرف واحد. فصارتا بمنزلة ما هو في الكلمة، فأسكنت اللام هرباً من الكسرة. كقولك في علم: علم، وفي فخذ: فخذ.
و أما قراءة من قرأ ثم ليقطع فلينظر. فإن الإسكان في لام فلينظر جيد وفي لام ليقطع لحنٌ؛ لأن ثم منفصلة من الكلمة. وقد قرأ بذلك يعقوب بن إسحاق الحضرمي.
فأما حرف النهي فهو لا. وهو يقع على فعل الشاهد والغائب، وذلك قولك: لا يقم زيد، ولا تقم يا رجل، ولا تقومي يا امرأة. فالفعل بعده مجزوم به.
و تقول: لا يقم زيد ولا يقعد عبد الله، إن عطفت نهياً على نهي. وإن شئت قلت: لا يقم زيد، ويقعد عبد الله. وهو بإعادتك لا أوضح؛ وذلك لأنك إذا قلت: لا يقم زيد، ولا يقعد عبد الله تبين لك أنك قد نهيت كل واحد منهما على حياله.
و إذا قلت: ويقعد عبد الله بغير لا فهذا وجه.
و قد يجوز أن يقع عند السامع أنك أردت: لا يجتمع هذان. فإن قعد عبد الله، ولم يقم زيد لم يكن المأمور مخالفاً. وكذلك إن لم يقم زيد، وقعد عبد الله.
و لا المؤكدة تدخل في النفي لمعنىً. تقول: ما جاءني زيد ولا عمرو إذا أردت أنه لم يأتك واحد منهما، على انفراد ولا مع صاحبه؛ لأنك لو قلت: لم يأتني زيد وعمرو وقد أتاك أحدهما لم تكن كاذباً. ف لا في قولك: لا يقم زيد، ولا يقم عمرو يجوز أن تكون التي للنهي، وتكون المؤكدة التي تقع لما ذكرت لك في كل نفي.