الأمر والنهي
الجزء ١ · صفحة ٨٨واعلم أن الطلب من النهي بمنزلته من الأمر، يجري على لفظه كما جرى على لفظ الأمر؛ ألا ترى أنك لا تقول: نهيت من فوقي ولكن طلبت إليه. وذلك قولك: لا يقطع الله يد فلان، ولا يصنع الله لعمرو. فالمخرج واحد، والمعنى مختلف.
و اعلم أن جواب الأمر والنهي ينجزم بالأمر والنهي؛ كما ينجزم جواب الجزاء بالجزاء؛ وذلك لأن جواب الأمر والنهي يرجع إلى أن يكون جزاءً صحيحاً. وذلك قولك: ائتني أكرمك، لأن المعنى: فإنك إن تأتني أكرمك؛ ألا ترى أن الإكرام إنما يستحق بالإتيانو كذلك: لا تأت زيداً يكن خيراً لك؛ لأن المعنى: فإنك إلا تأته يكن خيراً لك.
و لو قال على هذا: لا تدن من الأسد يأكلك كان محالاً؛ لأنه إذا قال: لا تدن فإنما هو: تباعد، فتباعده منه لا يكون سبباً لأكله إياه. ولكن إن رفع جاز، فيكون المعنى: لا تدن من الأسد ثم قال: إنه مما يأكلك.
وإنما انجزم جواب الاستفهام؛ لأنه يرجع من الجزاء إلى ما يرجع إليه جواب الأمر والنهي وذلك قولك: أين بيتك أزرك؟ لأن المعنى: بإن أعرفه أزرك وكذلك هل تأتيني أعطك، وأحسن إليك؛لأن المعنى: فإنك إن تفعل أفعل.
فأما قول الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذابٍ أليمٍ " ثم قال: " تؤمنون بالله ورسوله " فإن هذا ليس بجواب، ولكنه شرح ما دعوا إليه، والجواب: " يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم " .
فإن قال قائل: فهلا كان الشرح أن تؤمنوا، لأنه بدل من تجارة؟ فالجواب في ذلك أن الفعل يكون دليلاً على مصدره، فإذا ذكرت ما يدل على الشيء فهو كذكرك إياه؛ ألا ترى أنهم يقولون: من كذب كان شراً، يريدون: كان الكذب وقال الله عز وجل: " و لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم " لأن المعنى: البخل هو خيراً لهم، فدل عليه بقوله يبخلون. وقال الشاعر:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى … و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فالمعنى: عن أن أحضر الوغى، كقولك: عن حضور الوغى. فلما ذكر أحضر الوغى دل على الحضور. وقد نصبه قوم على إضمار أن وقدموا الرفع.
و سنذكر ذلك باستقصاء العلة فيه إن شاء الله.
فأما الرفع فلأن الأفعال لا تضمر عواملها، فإذا حذفت رفع الفعل وكان دالاً على مصدره بمنزلة الآية وهي " هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم " ثم قال: تؤمنون.
و كذلك لو قال قائل: ماذا يصنع زيد؟ فقلت:يأكل أو يصلي لأغناك عن أن تقول:الأكل أو الصلاة. ألا ترى أن الفعل إنما مفعوله اللازم له إنما هو المصدر، لأن قولك: قد قام زيد بمنزلة قولك: قد كان منه قيام، والقيام هو النوع الذي تعرفه وتفهمه ولو قلت: ضرب زيد لعلمت أنه قد فعل ضرباً واصلاً إلى مضروب، إلا أنك لا تعرف المضروب بقوله: ضرب وتعرف المصدر.
و أما الذين نصبوا فلم يأبوا الرفع، ولكنهم أجازوا معه النصب؛ لأن المعنى إنما حقه بأن، وقد أبان ذلك فيما بعده بقوله: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟. فجعله بمنزلة الأسماء التي يجيء بعضها محذوفاً للدلالة عليه.
وفي كتاب الله عز وجل: " يسأله من في السماوات والأرض " فالقول عندنا أن من مشتملة على الجميع؛ لأنها تقع للجميع على لفظ الواحد.
وقد ذهب هؤلاء القوم إلى أن المعنى: ومن في الأرض. وليس المعنى عندي كما قالوا وقالوا في بيت حسان:
فمن يهجوا رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء
إنما المعنى: ومن يمدحه وينصره. وليس الأمر عند أهل النظر كذلك؛ ولكنه جعل من نكرةً، وجعل الفعل وصفاً لها، ثم أقام في الثانية الوصف مقام الموصوف. فكأنه قال: وواحد يمدحه وينصره، لأن الوصف يقع في موضع الموصوف، إذ كان دالاً عليه.
و على هذا قول الله عز وجل: " و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به " .
و قال الشاعر:
هل الدهر إلا تارتان فتارةٌ … أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
يريد: وتارة أخرى: و قال:
كأنك من جمال بني أقيشٍ … يقعقع خلف رجليه بشن
يريد: كأنك جمل، وكذلك قال: يقعقع خلف رجليه.
و قال آخر:
و ما منهما إلا يسر بنسبةٍ … تقربه مني وإن كان ذا نفر
يريد: وما منهما أحد: و قالوا في أشد من ذا:
ما لك عندي غير سهم وحجر … وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفي كان من أرمى البشر