المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

العلة فيما وقع منه مختلفا

الجزء ١ · صفحة ٩٢

و قولنا: دليل على الإعراب، إنما هو أنك تعلم أن الموضع موضع رفع إذا رأيت الألف، وموضع خفض ونصب إذا رأيت الياء، وكذلك الجمع بالواو والنون إذا قلت: مسلمون، ومسلمين. وكذلك ما كان المفهم لموضعه حرفاً نحو قولك: أخوك وأخاك وأخيك، وأبوك وأباك وأبيك، وذو مال وذا مال، وذي مال، وجميع هذه التي يسميها الكوفيون معربةً من مكانين. لا يصلح في القياس إلا ما ذكرنا.

و الزائدة الثانية النون إنما هي بدل مما كان في الواحد من الحركة والتنوين وقد مضى القول في هذا.

و اعلم أنك إذا ذكرت الواحد فقلت: رجل أو فرس أو نحو ذلك، فقد اجتمع لك فيه معرفة العدد ومعرفة النوع.

إذا ثنيت فقلت: رجلان أو فرسان، فقد جمعت العدد والنوع. وإذا قلت: ثلاثة أفراس لم يجتمع لك في ثلاثة العدد والنوع، ولكنك ذكرت العدة ثم أضفتها إلى ما تريد من الأنواع.

و كان قياس هذا أن تقول: واحد رجالٍ، واثنا رجال. ولكنك أمكنك أن تذكر الرجل باسمه فيجتمع لك فيه الأمران. ولما كانت التثنية التي هي لضرب واحد من العدد أمكنك ذلك من لفظ الواحد فقلت: رجلان، وغلامان، ولم يحسن ذلك في الجمع، لأنه غير مخطور، ولا موقوف على عدة، ولا يفصل بعضه من بعض.

و لو أراد مريد في التثنية ما يريده في الجمع لجاز ذلك في الشعر؛ لأنه كان الأصل، لأن التثنية جمع. وإنما معنى قولك: جمع: أنه ضم شيءٍ إلى شيءٍ. فمن ذلك قول الشاعر:

كأن خصييه من التدلدل … ظرف جراب فيه ثنتا حنظل

فإذا جمعت الواحد فكان مذكراً ذكرت العدة، ثم أضفتها إلى الجمع؛ لتخبر أن هذه العدة مقتطعةٌ لما أردت من الجنس الذي ذكرت.

فإن كان المذكر من ذوات الثلاثة كانت له أبنية تدل على أقل العدد. فمن ذلك ما كان على أفعلٍ؛ نحو: أكلب، وأفرخ، وأكبش. وما كان على أفعال؛ نحو: أجمال، وأقتاب، وأمثال. وما كان على أفعلة نحو: أحمرة، وأقفزة، وأجربة. وما كان على فعلة نحو: صبية، وغلمة، وفتية.

و ما كان من المذكر مجموعاً بالواو والنون، نحو: مسلمون وصالحون، فهو أدنى العدد؛ لأنه على منهاج التثنية.

و نظير ذلك من المؤنث ما كان بالألف والتاء؛ نحو: مسلمات، وصالحات، وكريمات.

و ما كان بعد ما وصفنا فهو لأكثر العدد، وسنفسر هذا أجمع حتى يعلم على حقيقته إن شاء الله.

اعلم أنك إذا صغرت بناءً من العدد يقع في ذلك البناء أدنى العدد فإنك ترده إلى أدنى العدد فتصغره. وذلك أنك إذا صغرت كلاباً فقلت: أكيلب؛ لأنك إنما تخبر أن العدد قليل. فإنما ترده إلى ما هو للقليل.

فلو صغرت ما هو للعدد الأكثر كنت قد أخبرت أنه قليل كثيرٌ في حال. وهذا هو المحال ونذكر هذا في باب التصغير، ولكنا ذكرنا منه هاهنا شيئاً لما يجري في الباب.

فإذا أردت أن تجمع المذكر ألحقته اسماً من العدة فيه علامة التأنيث. وذلك نحو: ثلاثة أثواب، وأربعة رجال. فدخلت هذه الهاء على غير ما دخلت عليه في ضاربة وقائمة، ولكن كدخولها في علامة، ونسابة، ورجل ربعة، وغلام يفعة.

فإذا أوقعت العدة على مؤنث أوقعته بغير هاءٍ فقلت: ثلاث نسوة، وأربع جوار، وخمس بغلات. وكانت هذه الأسماء مؤنثة بالبنية، كتأنيث عقرب، وعناق، وشمس، وقدر.

و إن سميت رجلاً ب ثلاث التي تقع على عدة المؤنث لم تصرفه؛ لأنه اسم مؤنث بمنزلة عناق.

و إن سميته ب ثلاث من قولك: ثلاثة التي تقع على المذكر صرفته.

فكذلك يجري العدد في المؤنث والمذكر بين الثلاثة إلى العشرة في المذكر. وفيما بين الثلاث إلى العشر في المؤنث. قال الله عز وجل: " سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام " وقال: " في أربعة أيامٍ سواءً للسائلين " وقال: " على أن تأجرني ثماني حججٍ فإن أتممت عشراً فمن عندك " ؛ لأن الواحدة حجة. وقال: " فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ " .

فإذا كان في الشيء ما يقع لأدنى العدد أضفت هذه الأسماء إليه فقلت: ثلاثة أغلمة، وأربعة أحمرةٍ، وثلاثة أفلسٍ، وخمسة أعدادٍ.

فإن قلت: ثلاثة حميرٍ، وخمسة كلابٍ جاز ذلك. على أنك أردت: ثلاثة من الكلاب، وخمسة من الحمير؛ كما قال الله عز وجل: " يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ " .

و قال الشاعر:

قد جعلت ميٌّ على الظرار … خمس بنانٍ قانىء الأظفار

يريد: خمساً من البنان.

٩٢ / ٢٨٤