العلة فيما وقع منه مختلفا
الجزء ١ · صفحة ٩٣و اعلم أنه ما لم يكن فيه أدنى العدد فالعدد الذي يكون للكثير جارٍ عليه ما يكون للقليل؛ كما أنه إذا كان مجموعاً على بعض أبنية العدد ولم يكن له جمع غيره دخل معه الكثير؛ وذلك نحو قولك: يد وأيد، ورجلٌ وأرجلٌ. فهذا من أبنية أدنى العدد ولم يكن له جمع غيره فالكثير من العدد يلقب أيضاً بهذا. وكذلك ثلاثة أرسان. وتقول ذلك للكثير؛ لأنه لا جمع له إلا ذلك.
و أما ما يقع للكثير ولا يجمع على أدنى العدد فنحو قولك: شسوعٌ فتقول: ثلاثة شسوعٍ، فيشترك فيه الأقل والأكثر.
فإذا جاوزت ذوات الثلاثة استوى البناءان. وذلك قولك: عندي ثلاثة دراهم، ورأيت ثلاثة مساجد.
فإن حقرت الدراهم قلت: دريهمات. ترده في التحقير إلى بناءٍ يكون لأدنى العدد وجمعت بالألف والتاء؛ لأن كل جماعة من غير الآدميين ترجع إلى التأنيث. وهذا يبين لك في باب الجمع إن شاء الله.
و تقول: عندي ثلاثة محمدين وخمسة جعفرين؛ لأن هذا مما يجمع بالواو والنون. فإن قلت: محامد وجعافر، على أنك أردت ثلاثة من الجعافر وثلاثة من المحامد، كان جيداً على ما فسرت لك.
فإذا خرجت عن العقد الأول ضممت إليه اسماً مما كان في أصل العدد إلى أن تتسعه. وذلك قولك: عندي أحد عشر رجلاً، وخمسة عشر رجلاً. بنيت أحد مع عشر، وغيرت اللفظ للبناء، وذلك أنك جعلتهما اسماً واحداً. وكان الأصل أحداً وعشرة، وخمسةً وعشرةً، فلما كان أصل العدد أن يكون اسماً واحداً يدل على جميع؛ نحو: ثلاثة، وأربعة، وخمسة بنوا هذين الاسمين فجعلوهما اسماً واحداً، وألزموهما الفتح؛ لأنه أخف الحركات؛ كما قالوا: هو جاري بيت بيت، ولقيته كفة كفة يا فتى، والقوم فيها شغر بغر.
فإن قال قائل: فهلا أعربوه؛ كما قالوا: حضرموت، وبعلبك، وما أشبههما؟ قيل إن حضرموت بنوا الاسمين فجعلا اسماً واحداً، كما فعلوا بما فيه هاء التأنيث، وجعلوا ذلك علماً، ولم يكن له حدٌّ صرف عنه، والعدد الذي ذكرت كان له حد صرف عنه كما ذكرت لك فلما عدل عن وجهه عدل عن الإعراب.
و أما اثنا عشر فليست هذه سبيله؛ لأنه مما فيه دليل الإعراب تقول: جاءني اثنا عشر، ورأيت اثني عشر. فلما كان إعرابه كإعراب رجلين ومسلمين لم يجز أن يجعل مع غيره اسماً واحداً. ولا تجد ذلك في بناء حضرموت، ولا في شيءٍ مما ذكرت لك من: لقيته كفة كفة ونحوه ولكنهم جعلوا عشرة بمنزلة النون من اثنين، إلا أن لها المعنى الذي أبانت عنه من العدد.
و لو سميت رجلاً اثني عشر ثم رخمته لقلت: يا اثن أقبل، تحذف الألف مع عشر؛ كما كنت فاعلاً بالنون لو كانت مكان عشر.
فأما تغييرهم عشر عن قولك: عشرة؛ فإنما ذلك لصرفها عن وجهها، ولكنك أثبت الهاءات للمذكر؛ كما كنت مثبتها في ثلاثة وأربعة، فتقول: ثلاثة عشر رجلاً، وأربعة عشر رجلاً، وخمسة عشر إنساناً، ولم تثبت في عشر هاءً وهي للمذكر؛ لأنك قد أثبت الهاء في الاسم الأول، وهما اسم واحد، فلا تدخل تأنيثاً على تأنيث؛ كما لا تقول: حمراءة ولا صفراءة.
فأما الاسم المنصوب الذي يبين به العدد فنحن ذاكروه في موضعه مشروحاً إن شاء الله.
فإذا أردت المؤنث أثبت الهاء في آخر الاسم؛ لأن عشراً مذكر في هذا الموضع، فأنثته لما قصدت إلى مؤنث فقلت: ثلاث عشرة امرأةً، وخمس عشرة جاريةً؛ لأنك بنيته بناءً على حدة؛ كما فعلت ذلك بالمذكر فسلمت الأسماء الأولى؛ كما سلمت أسماء المذكر وأثبت الهاء في آخره، وبنيت العشرة على غير بنائها في قولك: عشر نسوة فقلت: إحدى عشرة، واثنتا عشرة، وإن شئت قلت: عشرة على غير منهاج عشرة، ولكنك أسكنت الشين؛ كما تسكن فخذاً فتقول: فخذ. وعلم فتقول: علم.
و تنصب الاسم الذي تبين به العدد كما فعلت ذلك في المذكر.
فإن قال قائل: فما بالك قلت؛ إحدى عشرة. وإحدى مؤنثة وعشرة فيها هاء التأنيث وكذلك اثنتا عشرة.
فالجواب في ذلك أن تأنيث إحدى بالألف، وليس بالتأنيث الذي على جهة التذكير، نحو: قائم وقائمة، وجميل وجميلة. فهما اسمان كانا بائنين، فوصلا، ولكل واحد منهما لفظ من التأنيث سوى لفظ الآخر، ولو كان على لفظه لم يجز. فأما اثنان واثنتان، فإنما أنث اثنان على اثنتين ولكنه تأنيث لا يفرد له واحد. فالتاء فيه ثابتة، وإن كان أصلها أن تكون مما وقفه بالهاء.