العلة فيما وقع منه مختلفا
الجزء ١ · صفحة ٩٤ألا ترى أنهم قالوا: مذروان؛ لأنه لا يفرد له واحد، ولو كان مما ينفرد له واحد لم يكن إلا مذربان. وكقوله: عقلته بثنايين ولو كان ينفرد منه الواحد لم يكن إلا بثنائين.
فأما نصب الاسم الذي بعد خمسة عشر، وأحد عشر، وبعد إحدى عشرة إلى تسع عشرة؛ فلأنه عدد فيه نية التنوين ولكنه لا ينصرف؛ كما تقول: هؤلاء ضوارب زيداً غداً. إذا أردت التنوين ولم يجز أن يكون هذا مضافاً؛ لأن الإضافة إنما تكون لما وقع فيه أقل العدد، وذلك ما بين الثلاثة إلى العشرة. فإذا خرجت عن ذلك خرجت إلى ما تحتاج إلى تبيين نوعه. فإن كان منوناً انتصب ما بعده من ذكر النوع، وإن كان غير منون أضيف إلى الواحد المفرد الذي يدل على النوع.
فإن قال قائل: فهلا كان هذا مما تجري عليه الإضافة؛ كما تقول: مائة درهم، وألف درهم؟ قيل له: لما كان هذا اسمين ضم أحدهما إلى الآخر، ولم يكن في الأسماء التي هي من اسمين ضم أحدهما إلى الآخر إضافة كان هذا لاحتياجه إلى النوع بمنزلة ما قد لفظ بتنوينه.
فإن قال قائل: فأنت قد تقول: هذا حضرموت زيدٍ. إذا سميت رجلاً حضرموت، ثم أضفته؛ كما تقول: هذا زيد عمرو.
قيل: إن إضافته ليست له لازمةً. وإنما يكون إذا نكرته، ثم عرفته بما تضيفه إليه.
و خمسة عشر عدد مبهم لازمٌ له التفسير، فكانت تكون الإضافة لازمةً، فيكون كأن أصله ثلاثة أسماء قد جعلت اسماً واحداً؛ ومثل هذا لا يوجد.
فإن قال: فهلا جعل ما تبين به النوع جمعاً، فتقول: خمسة عشر رجالاً، كما تقول: زيدٌ أفره الناس عبداً، وأفره الناس عبيداً.
قيل: الفصل بينهما أنك إذا قلت: زيد أفره الناس عبداً جاز أن تكون تعني عبداً واحداً، وأن تكون تعني جماعة. فإذا قلت: عبيداً بينت الجماعة، وأنت إذا قلت: خمسة عشر ونحوه فقد بينت العدد فلم تحتج إلى النوع فجئت بواحد منكور يدل على جنسه؛ لأنك قد استغنيت عن ذكر الجماعة.
فإذا ثنيت أدنى العقود اشتققت له من اسمه ما فيه دليل على أنك قد خرجت عنه إلى تضعيفه والدليل على ذلك ما يلحقه من الزيادة، وهي الواو والنون في الرفع، والياء والنون في الخفض والنصب، ويجري مجرى مسلمين. وذلك قولك: عندي عشرون رجلاً، وعشرون جاريةً، فيستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لأنه مشتقٌ مبهم وليس من العدد الذي هو أصلٌ. والأصل ما بين الواحد إلى العشرة. فكل عدد فمن هذا مشتقٌ في لفظ أو معنى.
فأما قولهم عشرون ولم يفتحوا لعشر العين، فقد قيل فيه أقاويل.
قال قوم: إنما كسرت؛ ليدلوا على الكسرة التي في أول اثنين؛ لأنها تثنية عشرة وليست بجمع، وليس هذا القول بشيءٍ.
و لكن نقول في هذا: إنه اسم قد صرف على وجوه: فمنها أنك تقول في المذكر: عشرة وللمؤنث: عشر بالإسكان وليس على منهاج التذكير، ولو كان على منهاجه لكان حذف الهاء لازماً للمذكر وإثباتها لازماً للمؤنث كسائر الأسماء؛ نحو: ظريف وظريفة، ومتكلم ومتكلمة، وعلى هذا قالوا: خمسة عشر فغيروه، وقالوا: خمس عشرة فبنوه على خلاف بناء التذكير. فلما كان هذا الاسم مغيراً. في جميع حالاته، ولم يكن في العشرين على منهاج سائر العقود غيره كان دليلاً على مجيئه على غير وجهه؛ ألا ترى أنهم لما جمعوا منقوص المؤنث بالواو والنون غيروا أوائله؛ ليكون التغيير دليلاً على خروجه من بابه. وذلك قولك: سنة. ثم تقول: سنون، فتكسر السين، وكذلك قلة وقلون.
و أما قولنا: إنه على خلاف العقود، فإنما هو لأنك اشتققت للثلاثين من الثلاثة؛ لأنها ثلاثة عقود، وكذلك فعلت بالأربعين والخمسين وما بعده إلى التسعين، فكان الواجب إذ اشتققت للثلاثين من الثلاثة أن تنشق للعشرين من الاثنين.
فإن قال قائل: فهلا فعلوا ذلك؟ فالجواب: أن الاثنين مما إعرابه في وسطه، فلو فعل به ما فعل بالثلاثة حيث صيرت إلى الثلاثين لبطل معناه، وصير إلى الإفراد ولم يقع مفرداً قط فالامتناع منه كالضرورة.
فإذا زدت على العشرين واحداً فما فوق إلى العقد الثاني أو واحدة فما فوقها قلت في المذكر: أحدٌ وعشرون رجلاً، واثنان وعشرون رجلاً، وواحدٌ وعشرون؛ كما كنت قائلاً قبل أن تصله بالعشرين.
فإن قال قائل: فهلا بني الأحد مع العشرين وما بعد الأحد من الأعداد؛ كما فعل ذلك بخمسة عشر ونحوه فيجعلان اسماً واحداً، كما كان ذلك في كل عدد قبله.