الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

بني كعب وبني كلاب على بني نمير

الجزء ١ · صفحة ٤٢

فلم ترعيني مثل سرب رأيته … خرجنا علينا من زقاق ابن واقف

وكان الحسن يقول: ليس العجب ممن عطب كيف عطب، إنما العجب ممن نجا كيف نجا .

وكان الحجاج بن يوسف يقول على المنبر: أيها الناس، اقدعوا هذه الأنفس. فإنما أسأل شيء إذا أعطيت، وأمنع شيء إذا سئلت، فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطاماً وزماماً فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وعطفها بزمامها عن معصية الله. فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه. قوله: " اقدعوا " يقال قدعته عن كذا: أي منعته عنه، ومنه قول الشماخ :

إذا ما استافهن ضربن منه … مكان الرمح من أنف القدوع

قوله: " استافهن " يعني حماراً يستاف أتنا، يقول :يرمحنه إذا اشتمهن، والسوف:الشم.

وقوله:

مكان الرمح من أنف القدوع

يريد بالقدوع المقدوع، وهذا من الأضداد، يقال طريق ركوب إذا كان يركب، ورجل ركوب للدواب إذا كان يركبها، ويقال: ناقة رغوث إذا كانت ترضع، وحوار رغوث إذا كانت ترضع، ومثل هذا كثير، يقال: شاة حلوب إذا كانت تحلب، ورجل حلوب إذا كان يحلب الشاة، والقدوع ههنا: البعير الذي يقدع، وهو أن يريد الناقة الكريمة ولايكون كريماً، فيضرب أنفه بالرمح حتى يرجع، يقال: قدعته، وقدعت أنفه، ويروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ذكر لورقة بن نوفل فقال: محمد بن عبد الله يخطب خديجة بنت خويلد الفحل لا يقدع أنفه .

وكان الحجاج يقول: إن امرأ أتت عليه ساعة من عمره لم يذكر فيه ربه،أو يستغفر من ذنبه،أو يفكر في معاده،لجدير أن تطول حسرته يوم القيامة.

باب

لعمارة بن عقيل يحض

بني كعب وبني كلاب على بني نمير

قال أبو الحسن: أنشدني عمارة بن عقيل لنفسه يحض بني كعب و بني كلاب، ابني ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن على بني نمير بن عامر بن صعصعة، وبينهم مطالبات وترات. وكانت بنو نمير أعداء عمارة. فكان يحض عليهم السلطان، ويغري بهم إخوتهم، و يحاربهم في عشيرته، فقال :

رأينا كما يا ابني ربيعة خرتما … لعض الحروب. والعديد كثير

وصدقتما قول الفرزدق فيكما … وكذبتما ما كان قال جرير

أصابت نمير منكم فوق قدرها … فكل نميري بذاك أمير

فإن تفخروا بما مضى من قديمكم … فقد هدمت مدائن وقصور

رمتها مجانيق العدو فقوضت … مدائن منها كالجبال وسور

وشيدها الأملاك: كسرى وهرمز … وآل هرقل حقبة، ونضير

فإن تعمروا المجد القديم فلم يزل … لكم في مضرات الحروب ضرير

خبطتم ليوث الشأم حتى تناذرت … حماكم و حتى لا يهر عقور

فكيف بأكناف الشريف تصيبكم … ثعالب يبحثن الحصى وأبور

قال أبو العباس: قوله:

فقد هدمت مدائن وقصور

مثل، يريد ان مجدكم الذي بناه آباؤكم متى لم تعمروه بأفعالكم خرب وذهب . وهذا كما قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب :

لسنا وإن كرمت أوائلنا … يوماً على الأحساب نتكل

نبني كما كانت أوائلنا … تبني ن ونفعل مثل ما فعلوا

وكما قال الآخر:

ألهى بني جشم عن كل مكرمة … قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

يفاخرون بها مذ كان أولهم … يا للرجال لفخر غير مسؤوم

إن القديم إذا ما ضاع آخره … كساعد فله الأيام محطوم

و كما قال عامر بن الطفيل :

إني وإن كنت ابن فارس عامر … وفي السر منها و الصريح المهذب

فما سودتني عامر عن وراثة … إبى الله أن أسمو بأم ولا أب

ولكنني أحمي حماها، وأتقي … أذاها وأرمي من رماها بمقنب

قال أبو الحسن: أنشدني هذه الأبيات محمد بن الحسن المعروف بابن الحرون ويكنى أبا عبد الله لعامر بن الطفيل العامري. قال أبو الحسن: قال الأصمعي: وكان عامر بن الطفيل يلقب محبراً لحسن شعره، وأولها:

٤٢ / ٣٣٦