لأعرابي في الملح
الجزء ١ · صفحة ٧٦ألاتسأل ذا العلم ماالذي … يحل من التقبيل في رمضان؟
فقال لي المكي : أما لزوجةٍ … فسبع، وأما خلةٍ فثماني
قوله: " خلةٍ " يريد ذات خلة، ويكون سماها المصدر، كما قالت الخنساء :
فإنما هي إقبال وإدبار
يجوز أن تكون نعتتها بالصدر لكثرته منها، ويجوز أن تكون أرادت ذات إقبال وإدبار، فحذفت المضاف وأقامت المضاف إليه مقامه، كما قال عز وجل: " ولكن البر من ءامن بالله " البقرة 177فجائز أن يكون المعنى بر من آمن بالله، وجائز أن يكون ذا البر من آمن بالله، والمعنى يؤول إلى شيء واحد: وفي هذا الشعر عيب، وهو الذي يسميه النحويون العطف على عاملين، وذلك أنه عطف " خلةٌ " على اللام الخافضة لزوجة، وعطف " ثمانيا " على " سبع " ، ويلزم من قال هذا أن يقول : مر عبد الله بزيد وعمرو وخالد، ففيه هذا القبح، وقد قرأ بعض القراء وليس بجائز عندنا: " واختلف اليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به بعد موتها " الجاثية 5 وبث فيها من كل دابة " وتصريف الريح آيات " الجاثية 5 فجعل " آيات " في موضع نصب وخفضها لتاء الجميع فحملها على " إن " وعطفها بالواو، وعطف " اختلافا " على " في " ولا أرى ذا في القرآن جائزاٌ لإنه ليس بموضع ضرورة، وأنشد سيبويه لعدي بن زيد العبادي:
أكل امرىء تحسبين امرأ … ونار توقد بالليل نارا
فعطف على " امرئ " وعلى المنصوب الأول .
" قال أبو الحسن: وفيه عيب آخر أن " أما " ليست من العطف في شيء، وقد أجرى " خلة " بعدها مجراها بعد حروف العطف حملاً على المعنى، فكأنه قال: لزوجةٍ كذا ولخلة كذا " وقوله: " أما لزوجة " فهذه مفتوحة، وهي التي تحتاج إلى خبر، ومعناها: إذا قلت: أما زيدٌ فمنطلقٌ مهما يكن من شيء فزيدٌ منطلقٌ. وكذلك: " فأما اليتيم فلا تقهر " الضحى : 9 إنما هي: مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم، وتكسر إذا كانت في معنى " أو " ويلزمها التكرير، تقول: ضربت إما زيداً وإما عمراً، فمعناه ضربت زيداً أو عمراً، وكذلك: " إما شاكراً وإما كفوراً " الإنسان 3، وكذلك: " إما العذاب وإما الساعة " مريم 75، و " إما تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً " الكهف 86، وإنما كررتها لأنك إذا قلت: ضربت زيداً أو عمراً، أو قلت: اضرب زيداً أو عمراً فقد ابتدأت بذكر الأول، وليس عند السامع أنك تريد غير الأول، ثم جئت بالشك، أو التخيير، وإذا قلت: ضربت إما زيداً وإما عمراً، فقد وضعت كلامك بالابتداء على التخيير أو على الشك، وإذا قلت: ضربت إما زيداً وإما عمراً، فالأولى وقعت لبنية الكلام عليها، والثانية للعطف، لأنك تعدل بين الثاني والأول، فإنما تكسر في هذا الموضع.
وزعم سيبويه أنها إن ضمت إليها " ما " فإن اضطر شاعر فحذف " ما " جاز له ذلك لأنه الأصل، وأنشد في مصداق ذلك:
لقد كذبتك نفسك فاكذبنها … فإن جزعاً وإن إجمال صبر
ويجوز في غير هذا الموضع أن تقع " إما " مكسورة، ولكن " ما " لاتكون لازمة، ولكن تكون زائدة في " إن " التي هي للجزاء. كما تزداد في سائرالكلام نحو: أين تكن أكن، وأينما تكن أكن، وكذلك متى تأتني آتك، ومتى ما تأتني آتك،فتقول: إن تأتني آتك، وإما تأتني آتك، تدغم النون في الميم لاجتماعهما في الغنة، وسنذكر الإدغام في موضع نفرده به إن شاء الله، كما قال امرؤالقيس:
فإما تريني لاأغمض ساعةٌ … من الليل إلا أن أكب فأنعسا
فيارب رب مكروب كررت وراءه … وطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا
وفي القرآن: " فإماترين من البشر أحدا " مريم26 وقال: " وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها " الإسراء 28 فأنت في زيادة " ما " بالخيار في جميع حروف الجزاء، إلا في حرفين،فإن " ما " لابد منها لعلة نذكرها إذا أفردنا باباٌ للجزاء إن شاء الله، والحرفان: حيثما تكن أكن،كما قال الشاعر:
حيثما تستقم يقدرلك الله … نجاحاٌ في غابر الأزمان
والحرف الثاني " إذاما " كما قال العباس بن نرداس:
إذ ما أتيت على الرسول فقل له … حقاٌ عليك إذا اطمأن المجلس
لايكون الجزاء في " حيث " و " إذ " إلا بما.
قال أبو العباس: وأنشدني أبو العالية:
سل المفتي المكي هل في تزاور … ونظرة مشتاق الفؤاد جناح