رثاء
الجزء ١ · صفحة ١٤* قصيدة في رثاء الإمام الرضي الحميد العادل العالم البحر الحبر محمد بن عبدالله بن سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي عليه رضوان الله:
الله أكبر رزء نكّس العلما:: وأسس الحزن في ألبابنا ألما
واهتزت الأرض عاليها وسافلها:: حتى السماوات والعرش الذي عظما
في الشرق والغرب منها رجّة رجفت:: تكاد تقلب هذا الكون منعدما
والخطب يرجف أكوانا إذا اندهشت:: نعم ويورث سعيرا بالجوى ضرما
مصيبة ساقت الأقدار سائقها:: وعاق عائقها وقعاً بما دهما
وأرصدت لأوان آن موقعه:: وللمواقع أوقاتٌ كما علما
رزيئة الدهر هل أبقيت باقية:: تبقي لنا سلوة الأحزان مستلما
ما للنوئح لا ترقى لها مقلٌ:: ما للجوانح حرّى والبلاء طمى
أرى الحياة ولا عيش يلذ بها:: رغدا وحادي المنايا زادنا غمما
أرى الظلامات جالطة معالمه:: ما للسراة اهتدا يخطونه قدما
حقا تغيّب بدر الأرض تحت ثرى:: حتى تجسد ديجور الدجى ظلما
فمن يقدر تقديرا منازله:: بعد الأفول فلا نور لمن بهما
بل من علا الشمس إذ تجري مقدرة:: لمستقر لها حيث الضيا انكتما
هذي منازل من ولى على أسف:: أعني الإمام وأعني المفرد العلما
أعني الخليلي إمام المسلمين ومن:: دهى الكوائن من مَنعاه ما دهما
محمد نجل عبدالله نجل سعـ:: ــيد الأبر ونجل السادة العلما
من لي على صرف دهر سل صارمه:: فما انثنى عنه حتى حزّ واصطلما
قل للذي طيّر المَنعى بذا نبأ:: أطرت طائر شؤم رَوع الأمما
أطرت روح حياة العلم فأنجذبت:: وللمعارف روحٌ تنشط الهمما
هذي الرزيئةُ أهل الأرض إن لها:: وقعا وصدعا عظيما ليس ملتئما
حاكت بثلمتها سعداً وهزته:: عرش الإله بخير القرن لو قدما
هما شبيهان في رزء وفي جلل:: وفي موازنة الأقدار بينهما
سعد بسعد حياة طاب مسكنه:: وطاب مأمنه يهنى الهنا نعما
وذا اقتفاه اقتداء في طريقته:: في العلم والحلم والتعديل إن حكما
كذلك العلم يعلي المرء منزلة:: رفيعة الشأن في أسمى الذرى قمما
لكن على الجد والإخلاص في عمل:: وفي ثبات وإخبات وكشف عمى
ولاحق فضله مع سابق فرطاً:: سيان في رتب العليا لهم عظما
هذا مقام في دنياك غايته:: بدءا وما نقص المقدار مختتما
أبا خليل تركت الأرض موحشة:: فما أرى ثغرها بالأنس مبتسما
تركت دولتك الزهراء ذاوية:: بعد النضارة لمّا غيثها انعدما
إرجع فديتك للإفتاء كان له:: كنز من العلم يؤتي الحُكم والحكما
ايدفن الكنز والآمال راجية:: منه المنافع كم أغنى وكم عمما
إرجع فديتك للدين الحنيف بكى:: بأعيُن اليتم لما فارق الرحما
كنت الكفيل له حفظاً تؤيده:: حامي الذمار شديد الغار محتزما
قلّد فديتك هذا الحق صارمه:: لا يغمد السيف والبُطلان قد نجما
أدري المحال فما والله مرتجعٌ:: لعالم الفقد سهم الموت فيه رمى
لكن عهود حياة قُمت أذكرها:: وانتقي الدرّ مكنونا لها كلما
لهفي عليك إمامَ العلم حين سرت:: بك المنايا مطايا ما انثنت قدما
كأنما النار في احشائنا التهبت:: وعاديات الليالي تبعث الغمما
إن نبكك اليوم ندباً خير مرتحل:: نبكي الفضيلة والأخلاق والشيما
نبكي المكارم بسطاً صار منقبضاً:: إن قبض الكف عن بسط الندى كرما
نبكي السياسة إذ ابوابها انغلقت:: قد كنت فاتح مخفّي بها انبهما
نبكي المعارف لما غاب عارفها:: نبكي وفائك يا أوفى الورى ذمما
نبكي مجالسك الزهراء حيث خلت:: تشكو الجفاء فأين الوفد مزدحما
نبكي شمائلك الحسناء خالدة:: في صفحة الدهر تأثيراً سما علما
نبكي الكمال ونفساً فيك كاملة:: نبكي المحيا فكم بالمنظر ابتسما
نبكي القناة فقد لانت لغامزها:: الإصباح إلا مساء أراك الشيب والهرما
ويلاه ويلاه ما يجدي البكاء وما:: يبدي الحداء لمودوع غدى رمما
قطب الأوان ويا زين المكان:: ويا نور الزمان أخا الإيمان بدر سما
قرّبت سيرة أصحاب النبي هدى:: صافحتهم بيد ولو مضوا قدما
وما نظرت إلى الدنيا وزهرتها:: وكيف والنور جلّاء الدجى ظُلما
أبصرت غايتها من بعدما انكشفت:: أن البقاء سراب ما يبلُّ ظمى
وما لبست سوى التقوى على حذر:: واللهُ يخشاه من هذا الورى العُلما
أقمتها مدةً بالعدل سائرة:: بالحقّ ظاهرةً حزماً ومعتزما
وتلك وصلة عمرٍ لا مزيد لها:: وليس ينقص عمر إن يطلن سما
قضى الإله فناءَ العالمين كما:: قضى البقاءَ له في لوحه ارتسما
ماذا أقول إمامَ المسلمين وقد:: عاج العنانُ عن المعدي فما اقتحما
قد لزّني العجز عن إدراك غاية ما:: أروم في الندب منثورا ومنتظما
وللذهول انفعال بالنهى وقفت:: به المدارس عن إلمام ما التئما
وكيف تبلغ أقدار لك ارتفعت:: به الورى انتفعت كالغيث حين هما
افضت بحرين من علم ومن كرم:: كلاهما زاخر في الفيض حين طما
سست الرعية بالتدبير متئدا:: بالحق معتمدا بالله معتصما
وقفٌ على الشرع في حكم وضرب يدٍ:: على الظلوم وإنصاف لمن ظلما
كم حزّ بالسيف قطّاع الطريق وكم:: قد بزَّ بالعدل ارباب السطى عزما
تخشى مهابتهُ قبل المسار فإن:: غشى المسار أطار البطل وانقصما
موفق الفتحِ ما فوجيء بأصعبها:: ما صاعبَ الأمر إلا سهل الأزما
لله غيرتهُ لله سيرتهُ:: لله نصرتهُ لله إن هجما
كم حمّل الصدر اثقالاً لو اجتمعت:: صدور كلّ الورى ضاقت بها همما
كم ترجع الناسُ بعد الوصل راضية:: شاءت معارف أو شاءت يدا كرما
يملي ويكتبُ والأشغال عارضةً:: ويوجز القول إعجازا فلم يرما
كم حار ذو الفكر في سطرٍ بموجزة:: من البيان وألقى عيّهُ القلما
الله أتاه هذا العلم منزلة:: سمى بها الوهب والإلهام حيث سما
اتيتنا يا إمام الدين في زمن:: أنت الغريب به فضلاً على عظما
أين المثيل على حسنى تقوم بها:: والوجهةُ الحق والإخلاص ملتزما
قضيت عمرك في زهدٍ وفي ورعٍ:: حتى أتاك يقين وقعه انحسما
لبيتها دعوةً جاء البشير بها:: بمقعد الصدقِ والرضوانِ مغتنما
قدمت صالحة الأعمال خالصةً:: لوجه ربك شكاراً له نعما
والمتقون لهم أجرٌ على عملٍ:: ذاك الجزاء فيا طوبى لمن رحما
قرائح الوهب جودي بالرثاء ففي:: هذا المقام مقالٌ ينتقي كَلما
ويا بني ملة الإسلام تعزيةً:: مني إليكم وقلبي بالأسى اضطرما
دمعٌ تحدرَ من عيني منسكباً:: تخاله السحب في تسكابها الديما
بشرى سعادته في الإحتضار أتت:: طلاقةُ الوجه برّاقا ومبتسما
من الكرامات يا مولاي أن بقيت:: خلافةُ الله في رأس العلا علما
من الكرامات يا مولاي مجتمعٌ:: حوى الجموع من الآفاق مزدحما
من الكرامات حرّ الشمس حجّبه:: ظل الغمامات حال الدفن مرتكما
من الكرامات نفح الطيب من جدث:: أودعت فيه ونورٌ ساطع لسما
من الكرامات هذا الكون أجمعهُ:: راضٍ عليك كما أخلصت معتزما
ربي أقم لبني الإسلام قائمهم:: وردّ رائمهم بالذل منهزما
وانصر رجال الهدى وارفع دعائمهم:: فوق الدعائم ما نبت الربى نجما
يا رب لا تتلاشى أمةٌ نهضت:: بدولة الحق لا وهناً ولا سئما
أيد سطاها بنصر منك يظهرها:: بالإستقامة سيفاً ليس منثلما
قرّت بحوزة أرض طاب منبتها:: هي الغبيراء عُمان موطن عظما
كم ذا توالى عليها الدهر توليةً:: نصب الأئمة عقداً زان منتظما
يا رب لا تجعل الأعداء عاديةً:: على عصابة هذا الدين وانتقما
ومُنّ بالخصب يا مولاي يذهب ما:: قد حلّ بالوطن المحبوب واحتدما
واجعل لنا في اكتئاب الفقد مصطبراً:: تسلياً خلفاً عن سالف عدما
منك الإجابة نرجوها محققة:: آمالنا كرماً يا من برى النسما
سقى الإله ضريحاً جلّ مودعه:: برحمةٍ وَبْلها ينهل منسجما
(تمت ولله المنة والفضل)