كتاب الاستقامة، الجزء الأول محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب: السعيد والشقي وأحكامهما في الولاية والبراءة

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

الأمور ، ولا يكون عليهم حاكما غيرهم من غير الأنبياء أو الرسل ، إلا ما أنزل الله عليهم من الوحي ، ولا تكون أمورهم في سائر الأحكام كسائر أهل الإسلام في شيء من الأشياء ، وإنما قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بن ثابت وحده ، إذ شهد في موضع لم يكن في الإسلام دعوى ، وإنما كان في الحكم أن تلك الدعوى مقبولة ، إلا أنها نازلة منزلة الدعوى ، ولو كانت لمنزلة الدعوى ما جاز فيها إلا شهادة شاهدي عدل ، كما جاءت السنة ، ولكن شاء الله - سبحانه -أن يبين ذلك نصا من أحكام النبيين ، كما أن به نصا من أحكام سائر الخليقة عن غير النبيين - صلوات الله عليهم - ، ولو أن خزيمة بن ثابت شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة أخرى ، على ما يكون الحكم فيها أنها دعوى ، لما جاز أن تقبل شهادته في ذلك ، إلا أن يكون ذلك يبين فيه خاص الحكم .

ولو أجاز النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده ، لثبت ذلك في الجميع ، إلا أن يأتي فيه حكم يخص تلك الشهادة بعينها ، أنها إنما تجوز في ذلك وحده ، لأن الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم غير الشهادة لغيره ، ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قول غيره من الناس كلهم ، وقد صح عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أجمع عليه عامة أهل القبلة ، ولا نعلم في الأخبار في ذلك مناكرة ولا مدافعة ، أنه قال في أبي ذر الغفاري -رحمه الله - ، أنه ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر الغفاري - رحمه الله - . فلو أن قائلا قال : لما ثبت هذا في أبي ذر الغفاري جاز أن يكون تصدق دعواه لأنه صادق ، ولأنه قد صح صدقه وتجوز شهادته وحده ، بصدق دعواه لأنه صادق ، إذ قد صح عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقه ، هل كان ذلك يجوز من قوله وفي مذهبه .

١٠٨ / ٢٩٣