كتاب الاستقامة، الجزء الأول محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب: السعيد والشقي وأحكامهما في الولاية والبراءة

الجزء ١ · صفحة ١١٠

ولو كان كما قلت لما جاز أن يخالف قول زيد أحد من الناس ، ولكان قد هلك من خالف قول زيد بن ثابت في الفرائض ، فكيف والصحابة قد اختلفوا في أمر الفرائض ، فكان منهم المخالف لقول زيد ، ولو كان كما يقال إن قول النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا يوجب ثبوت ما صح من مثله ما جاز أن يقرأ القرآن إلا على قراءة أبي بن كعب ، وعلى مصحف أبي بن كعب ، وكفى حجة أن عامة أهل الاستقامة من المسلمين على غير ما قال زيد بن ثابت في الفرائض ، مما يجري فيه الاختلاف ، وما خالفه في ذلك أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس وعامة العلماء . وكفى حجة في ذلك ماعليه اكالاجماع من أهل القبلة على ترك القراءة بحرف أبي بن كعب ، والإجماع على غيره في القراءة إلا الشاذ من حروفه ، وكفى أن مصحفه - رحمه الله - غير مثبوت في القرآن ، في زماننا هذا وقبل زماننا هذا ، فلو كان كما تقول ، ما جاز أن يقرأ القرآن الكريم إلا على ما قرأه أبي بن كعب ، إذ ثبت بالإجماع أنه أقرأ الصحابة للقرآن الكريم ولكتاب الله - تعالى - ، وإذ صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوحي أن يقرأ عليه ، وأنه قد أشد إليه وقرأ عليه ، وكفى بهذا دليلا على تصديق قولنا وإبطال قولك .

فصل : ولو كان كما تقول ما جاز أن يخالف أحد في الحلال والحرام ما صح عن معاذ بن جبل ، ولكان ما صح عنه من الرأي ، كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في أبي ذر الغفاري ، إنما هي منقبة من هذه المناقب أنه صادق في إخباره ، أمين في إسراره و إظهاره ، ولو كان قوله مصدقا لما جاز إلا أن يصدى كما قال ، كما لزم قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى من القول ما فيه كفاية ، وهذا إنما يجري على وجه المدح والمناقب ، وهذا جائز في كلام العرب مع أهل اللغات ، ولعل الإجماع على هذا من اللغة أن هذا يراد به المدح لا الحكم ، فافهموا ذلك إن شاء الله .

١١٠ / ٢٩٣