كتاب الاستقامة، الجزء الأول محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب: أحكام الحقيقة وأحكام ولاية الحقيقة

الجزء ١ · صفحة ١٤

ولما قال غيره أنه قد صح معه من حقيقة شقوته ، أو حقيقة كفره ، ولكن كان عليه أن يبوأ منه بحكم الظاهر ، لما صح من كفره في حكم الظاهر ، وليس له أن يحكم عليه بحكم الحقيقة ، ولو عاين من ركوبه عبادة الأصنام ، والكفر بالإسلام ، وجميع المعاصي الظاهرة الشاهرة ، ولم يعلم منه توبة إلى أن مات على ذلك ، وكان على رأسه ، إلى أن مات أو قتله بيده ، ولم يسمعه تاب من ذلك ، فليس له أن يشهد عليه بالحقيقة أنه كافر ، ولا أنه شقي ، ولا أنه من أهل النار حكم حقيقة ، فإن شهد له بالنار على ذلك ، كان في شهادته تلك شاهدا بالغيب ، قائلا لما لا يعلم ، كافرا بذلك كفر نعمة لا كفر شرك ، إلا أن يتوب من شهادته تلك ويرجع ، وهذا من تعاطي علم الغيب ، والشهادة على الغيب ، ومن شهد على غائب فقد كذب ، ولو كانت شهادته تلك عند الله في علمه قد وافقت الحق في علم الله ، فإنه مبطل في حكم دين الله ، والله معاقبه ومعذبه على تلك الشهادة إلا أن يتوب .

فصل : وكذلك من صحت معه شهادة على الحقيقة من أحد الوجوه التي وصفناها أنها تؤدي إلى علم الحقيقة ، أو شهادة الحقيقة فشك في ذلك ، بعد علمه بذلك ، ولم يشهد بتلك الشهادة على من قد صحت عليه بعينه ، من أجل أنه رأى ذلك المشهود عليه ، وقد شهد عليه بالنار ، فرآه بعد ذلك مؤديا لجميع ما ألزمه الله ، تائبا من جميع ما لزمه فيه التوبة ، مستحقا لولاية الله في حكم الظاهر ، فشك في تلك الشهادة وارتاب ، كان بذلك هالكا ، إلا أن يتوب ، فحكم الظاهر لا يزيل حكم الحقيقة ، وحكم الحقيقة لا يوجبه حكم الظاهر ، وليس لأحد أن يخالف الحق في هذين الحكمين ، بعلم ولا بجهل برأي ولا بدين ، فمن خالف حكم ذلك كان من الهالكين إلا أن يتوب .

-----------------------

1- في نسخة "العبد".

١٤ / ٢٩٣