كتاب الاستقامة، الجزء الأول محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب: الشهادة على الأحداث في وجوب البراءة

الجزء ١ · صفحة ٢٢٢

والبراءة معنا بالحدود أشبه من النكاح والموت والأنساب ، لأنه قد أجمع أهل العلم أنه لا تجوز شهادة قومنا على أحد من المسلمين في الأحداث الموجبات للكفر ، ولا في شيء من الحدود ، واختلفوا في شهادتهم عليهم في الموت والنسب والنكاح ، فأجاز أكثر أهل العلم شهادة العدول على المسلمين في ذلك ، فكانت الحدود والبراءات بمنزلة واحدة فيما أجمعوا عليه من القول في ذلك .

فصل : وقد جاء الأثر المجمع عليه ، أنه إذا وقع شيء ليس فيه حكم منصوص ثابت ، من كتاب أو سنة أو إجماع ، فاختلف في ذلك أنه ينظر أشبه الأشياء بذلك ، فيلحق به حكمه ، ولا نعلم شيئا يشبه البراءة مثل الحدود ، لأنها خارجة من الحقوق كلها ولا تشبهها في شيء من الأشياء ، وإنما تخرج في جميع أمورها مخرج الحدود ، والإجماع من قول أهل العلم ، أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من الحدود ولا الحقوق إلا ما خص حكمه ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، فقد خرجت الشهادة على الشهرة وبطلت في جميع الحدود والقود والقصاص وعامة الحقوق ، ولا نعلم شيئا من أحكام الِإسلام يعدو معنيين : إما حدود وإما حق ، فالبراءة بالحدود لاحقة ، وعلى شبهها خارجة ، لا ينكر ذلك أحد فيما علمنا ، إلا أن يكون على المكابرة وشهادة الشهرة معنا ، على الأخبار لهذه العلل وغيرها ضعيفة ، لا يقدر على إجازتها ولا الأخذ بها ، غير أننا لا نخطّىء أحدا من المسلمين فيما قال ، ولا يرد عليه ذلك ، غير أننا نختار أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في البراءات ؟ فإذا شهد الشاهدان على أحد بحدث ممن تجوز الشهادة عليه بذلك الحدث ، وبيّنا أن ذلك من طريق ما صح معهما من الشهرة لحدثه ، فلا يجوز ذلك معنا على ما قد بيّنا ، ونحب أنه إن لم يفصحا عن ذلك ، فبيّنا أنه عن شهرة أو شهادة ، وكانا ممن تجوز شهادتهما على ما وصفنا ، وكان حيا ، أنه تجوز شهادتهما ، وإن كان ميتا فلا تجوز شهادتهما عليه على أي حال .

٢٢٢ / ٢٩٣