باب: التوحيد والشاك فيه وغير ذلك
الجزء ١ · صفحة ٢٥١وكذلك من أعظم حجج الله ، ومما تقوم به الحجة في العقل إذا خطر بالبال أو سمع بذكره أو دعي إليه العبد ، علم ثواب الله - تبارك وتعالى - لأهل طاعته على طاعته ، لأنه لا يحسن في العقل أن يكون الله - تبارك وتعالى -خلق خلقا عبثا لا لحاجة منه إليهم ، ولا لينتفع بهم ولا ليقوى بهم على شيء من ذاته ولا من ذواتهم ، ولا لحاجة منه إليهم في معنى من المعاني ، ولا في وجه من الوجوه ، فلما صح هذا أنه هكذا صح أنه -تبارك وتعالى -إنما خلق خلقه لما قد سبق في علمه ومشيئته أنه ينفع بعض خلقه ببعض ، وأن بعضهم مضرة لبعض ، وأن بعضهم حجة لبعض ، وأن بعضهم حجة على بعض ، وأنه لا يكون في العقول بهذه الصفة إلا ملك قادر غني حميد ، وأنه لا يكون الملك الغني القادر إلا مطاعا ، ولا تكون الطاعة للمطاع إلا بأمر ونهي من الآمر الناهي .
ولا يجوز أن يكون الآمر الناهي القادر الغني الحميد يأمر وينهى إلا وقد سبق في علمه -تبارك وتعالى - أنه يطاع في أمره ونهيه ويعصى في ذلك ، ولا يجوز في صفة القادر العزيز أن يعصى في أمره ونهيه ولا يعاقب على معصيته ولا يثيب على طاعته ، وهو غني حميد ، ومتى حَسُن في العقل في صفة اللّه أنه يساوي بين من أطاعه ومن عصاه في ثوابه وعقابه ، لم يصح أنه حليم حكيم ولا قادر ولا كريم ، لأن القادر والكريم من صفته أن يعاقب من عصاه بقدرته ويثيب من أطاعه بجوده وكرمه ، ولا يستقيم هذا إلا هكذا ، وإلا فإذا جاز أن الأمر والنهي كان عبثا لا لمعنى أريد به ، جاز العبث عليه ، والعابث لا يكون حكيما ، فإذا صح الأمر والنهي بغير علم تقدم وسبق من الآمر الناهي لماذا أمر ونهى ، ولماذا يطاع ولماذا يعصى ، جاز أن يكون الآمر الناهي جاهلا لماذا أمر ونهى ، وهذا كله لا يجوز في صفة اللهّ - تبارك وتعالى -إلا على ما وصفنا ، تبارك اللهّ وتعالى علوا كبيرا .