كتاب الاستقامة، الجزء الأول محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب: ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة

الجزء ١ · صفحة ٥٥

فإذا وقعت الشهرة في مثل هذا في أحد من السالفين ، من الصحابة والأمم السابقين ، من أحد ممن يخالف في ذلك الوجه الذي يدعي فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة أو من أهل النار ، فإنه ينظر في أولئك المدعين ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم في دينهم الذي يذهبون إليه في ذلك ، فإن كانوا موافقين للمسلمين ولأهل الاستقامة من أهل الدين في هذا الوجه ، الذي صحت الأخبار من قولهم في ذلك ، أنه كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في ذلك حجة على من علمه من المسلمين ، ولو كانوا مخالفين في الدين في غير ذلك الأمر الذي قالوه ، وصح قولهم في ذلك المشهود له أو عليه ، لأن الشهرة تصح من الأبرار والفجار ، وأهل الإقرار وأهل الإنكار ، إلا أن ينزل بمنزلة شهرة الدعوى ، أو يكون أهلها أهل دعوى في ذلك الشيء ، على أهل الاستقامة من المسلمين ، فإنه إذا كانت الشهرة أصلها كذبا وزورا ، فلا تكون شهرة ولا تصح في الحق ، لأنها دعوى في الأصل ، ولو صحت في الأخبار من الأبرار الصالحين الصادقين الأخيار ، لأنها في الأصل باطل ، فمحال أن يرجع الباطل حقا والحق باطلا ، والصدق كذبا أو الكذب صدقا ، من طريق المائلين لذلك من طريق كثرة القائل لذلك ، لأن الشهوة إنما تؤدي إلى علم الشيء نفسه ، ولا يكون ذلك بمنزلة قبوله الشهادة ، لأن الشهرة توجب العلم بالشيء نفسه ، لا يلزم الحجة بقول من قال ذلك ، فإذا كان الأصل باطلا فلا تكون الشهرة به حجة ، ولا يرجع أبدا حقا من جميع من قال ذلك ، ولو أجمع على ذلك أهل منى وعرفات ، وأضعاف ذلك أضعافا مضاعفات ، من العلماء الأخيار والصادقين الأخيار ، وكل ذلك دعوى من قولهم ، لا يوجب تصديق الكذب ، ولا تكذيب الصدق لقولهم .

٥٥ / ٢٩٣