باب: ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة
الجزء ١ · صفحة ٥٦وكذلك لو كان الشيء الذي قد شهر صحيحا ، إلا أنه إنما وجبت الشهرة به من طريق الأخبار ، ممن هو خصم لأهل الحق في ذلك الشيء ، الذي يدعونه أنة كذلك ، حتى أوجب تلك الشهرة في نفس من بلغ إليه علم ذلك ، علم ما قاله أولئك الخصماء في الدين ، ما جاز لامرىء أن يقبل تلك الشهرة ، ولا كانت تلك الشهرة أبدا ، ولو كانت في الأصل حقا عند الله في علمه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، وقاله الله - تبارك وتعالى - وأنزله على نبيه وحيا وكتابا ، إلا أن يصح ذلك من طريق مالا يكون دعوى من المدعين ، وكفى حجة من إبطال صحة شهرة الدعوى ، ما أبطله الله من قول اليهود والنصارى ، على ما ادعوا وأجمعوا عليه ، وهم مختلفون في دينهم يتعادون في دينهم ، فاجمعوا -إلا من شاء الله منهم - على قتل عيسى بن مريم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فمن قبل تلك الشهرة ، وصدق تلك الأخبار المتواترة ، ما كان ذلك له حجة ، ولا كان إلا هالكا بذلك ، لأنه باطل ما قالوا وأجمعوا عليه ، وإنما قصدوا في ذلك إلى ما كان عندهم أنه صدق ، ولم يقصدوا إلى كذب ، لأن الله يخبر عنهم أنهم قالوا : إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم ، فقال -تعالى- : (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ). (وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما)( 3 ).
وقال تعالى : (وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن )( 4).
فلما أن كان الأصل إنما هو اتباع الظن ، ولم يكن يقينا بل كان باطلا ، ولم يكن إقرارهم على أنفسهم حجة ، إذ كانوا كاذبين في الأصل عند الله ، وان كانوا محجوجين في الدين بكذبهم وزورهم ، لأن ذلك كان باطلا ، فلا يجوز قبول الشهادة لدعوى الباطل ، ولو أجمع على ذلك جميع أهل الأرض في ذلك العصر والزمان ، من تصادق الأخبار في ذلك .