باب القول في الصيد وغيره من الدواب والطير
الجزء ٣ · صفحة ١٢١وقال من قال : كل صيد البحر جائز لأن الله لم يستثن منه شيئا ، وهو أصح القول لقول الله -تعالى - : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) فكل ما صح أنه من دواب البحر وأنه لا يعيش في البر ، ولو أشبه الخنزير والدواب التي في البر ، فغير محكوم على ذلك بتحريم ما حرم الله مثله في البر ، لأن الله أباح صيد البحركله مجملا ، ولم يستثن منه شيئا ، فهو مباح إلا بدليل على ذلك ، وما اختلف الناس فيه بغير دينونة فليس ذلك مما يمنع المباح ، ولا يخطئوا في ذلك إذا اعتلوا فيه بعلة ، ولم يدينوا بذلك .
وأما ما كان يعيش في البر والماء من الطير وغيره من الدواب ، المشبهة بدواب البر أو غير مشبهة من ذوات الدم ، فلا يصح حلاله إلا بالذكاة ، لدخول سبب البر عليه ، فإن كان الأغلب من أموره أنه يعيش في البر أكثر فهو من دواب البر ، وحكمه حكم دواب البر وصيد البر ، إن كان صيدا ودمه مفسد ، والأغلب من أموره أنه يعيش في البر أكثر زمانه وأكثر شأنه أنه من ذوات البر .
فصل : وأما ما كان الأغلب من زمانه وعيشته في البحر والماء ، إلا أنه قد يعيش في البر عيشة يفارق بها دواب الماء التي لا تعيش في البر ، وأنها متى فارقت الماء هلكت ، فإذا كان كذلك فلايصح حلاله أيضا إلا بالتذكية ، لدخول سبب البرية عليه ، ويحكم له وعليه بالأغلب من أموره في شان تسمية الصيد ، ويكون على هذا من صيد البحر ، وكان دمه دم صيد البحر للأغلب من أموره ، ونحب على كل حال أن يذكى كذكاة صيد البر ،لأنه قد يعيش في البر ، وما كان الأغلب من أموره وعيشته في البر كان حكمه حكم صيد البر ، وكان دمه دم صيد الحر مسفوحا ، للأغلب من أموره ، فإن صح له أنه يعيش في البر والبحر أو الماء ، ولم يعرف له الأغلب من ذلك ، لم يصح حلاله إلا بالذكاة على حال ، وكان على الاحتياط والتنزه (2) أن دمه فاسد ، ولا يصح له الحلال إلا بالذكاة ، ولا يأكله المحرم للخروج من الشبهة والإشكال .