كتاب الاستقامة، الجزء الثالث محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب القول في حرمة الخمر من العنب والبسر والنية فيه وقبول قول الواحد والاثنين في أصل الإرادة

الجزء ٣ · صفحة ١٨٦

وكل ما كان حلالا في الأصل عند العارفين به في ذاته وصفته ، وفي علم من علمه من المسلمين ، فلا يصر الجاهل من المسلمين جهل عينه ، لأن عينه ولو عرفها إذا وقف عليها عرف مباحا في الأصل مع العلماء بها ، ومع العلماء بالدين ، وإنما يهلك الجاهل في ركوبه لما هو في الأصل حرام ، محجور على من عرفه ، ومن عرف أنه حرام ، ومن جهله فليس له أن يقدم على ما جهل من الحرام ، فالخل من الخمر إذا صار بحد النبيذ من الخمر إن كان ينزل بمنزلة الشراب في حال من الحال ، نازل به في حال الحجر ، وفي بعض القول وهو محجور الشرب ، في حال ما يكون مسكرا قليله وكثيره ، لأن الخمر بعينه المراد منه منع الشرب ، إذا كان في حد المسكر .

وقال من قال : إنه حلال في الأصل ولا يحجر الشراب منه ما لم يسكر ، فإذا سكر الشارب منه ، حرم عليه السكر في الأصل ، وسواء ذلك على هذا في أي الآنية والأوعية كان ، وهذا القول الآخر هو أصح وأحب إلينا ، أنه إنما يفسد الشراب بالنية ، وصلح للخل بالنية ، فهو على حد النية التي يراد بها الخل ، وهو حلال مباح ، ولا حجر في شراب مباح في الأصل ، ما لم يأت عليه حجر يسكر .

فلو أن مريدا أراد الخل من الخمر ، فصار ذلك الحل في حد النبيذ ، وهو عالم بذلك في الأصل ، وهو قائم العين خمر مع من عرف أنه خمر بصفته وعينه ، وهو معه في الأصل حلال لعلمه ، كان ذلك محجورا على من عاينه غيره ، حتى يعلم فيه كعلمه هو ، ولا يجوز أن يركب ذلك راكب بجهل أصله الذي بني عليه ، حتى يعلم منه كعلم من علم ذلك في الأصل ، لأن الأصل هاهنا محجور ، لأنه قائم العين والصفة بأنه خمر ، إنما أصلحته النية التي غابت على من وقف عليه ، وهذا بمنزلة الدماء إذا لم يعرف من أي وجه هي ، فلا ينبغي له الإقدام على ذلك ، وذلك محجور عليه حتى يعلم الأصل فيه .

١٨٦ / ٢٧٧