باب القول في حرمة الخمر من العنب والبسر والنية فيه وقبول قول الواحد والاثنين في أصل الإرادة
الجزء ٣ · صفحة ١٨٦وكل ما كان حلالا في الأصل عند العارفين به في ذاته وصفته ، وفي علم من علمه من المسلمين ، فلا يصر الجاهل من المسلمين جهل عينه ، لأن عينه ولو عرفها إذا وقف عليها عرف مباحا في الأصل مع العلماء بها ، ومع العلماء بالدين ، وإنما يهلك الجاهل في ركوبه لما هو في الأصل حرام ، محجور على من عرفه ، ومن عرف أنه حرام ، ومن جهله فليس له أن يقدم على ما جهل من الحرام ، فالخل من الخمر إذا صار بحد النبيذ من الخمر إن كان ينزل بمنزلة الشراب في حال من الحال ، نازل به في حال الحجر ، وفي بعض القول وهو محجور الشرب ، في حال ما يكون مسكرا قليله وكثيره ، لأن الخمر بعينه المراد منه منع الشرب ، إذا كان في حد المسكر .
وقال من قال : إنه حلال في الأصل ولا يحجر الشراب منه ما لم يسكر ، فإذا سكر الشارب منه ، حرم عليه السكر في الأصل ، وسواء ذلك على هذا في أي الآنية والأوعية كان ، وهذا القول الآخر هو أصح وأحب إلينا ، أنه إنما يفسد الشراب بالنية ، وصلح للخل بالنية ، فهو على حد النية التي يراد بها الخل ، وهو حلال مباح ، ولا حجر في شراب مباح في الأصل ، ما لم يأت عليه حجر يسكر .
فلو أن مريدا أراد الخل من الخمر ، فصار ذلك الحل في حد النبيذ ، وهو عالم بذلك في الأصل ، وهو قائم العين خمر مع من عرف أنه خمر بصفته وعينه ، وهو معه في الأصل حلال لعلمه ، كان ذلك محجورا على من عاينه غيره ، حتى يعلم فيه كعلمه هو ، ولا يجوز أن يركب ذلك راكب بجهل أصله الذي بني عليه ، حتى يعلم منه كعلم من علم ذلك في الأصل ، لأن الأصل هاهنا محجور ، لأنه قائم العين والصفة بأنه خمر ، إنما أصلحته النية التي غابت على من وقف عليه ، وهذا بمنزلة الدماء إذا لم يعرف من أي وجه هي ، فلا ينبغي له الإقدام على ذلك ، وذلك محجور عليه حتى يعلم الأصل فيه .