كتاب الاستقامة، الجزء الثالث محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب الصغائر والكبائر من الذنوب والإصرار وأعمال العباد وأحوالهم فيها

الجزء ٣ · صفحة ٢٦١

ومن الكبائر التي قد صح بيانها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاصرار على جميع المعاصي ، وكذلك في كتاب الله - تبارك وتعالى - ، وفى إجماع أهل العدل ، ولا يخرج في حجج العقول إلا ذلك ، وأما حكم ذلك في كتاب الله ، ففي غير موضع قوله : (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : "هلك المصرون " وقوله : " لا صغير يصغر مع إصرار ، ولا كبير يكبر مع توبة واستغفار" . واجماع أهل العدل في أصل ما أجمعوا عليه ودانوا به ، ولا يدعي الغفران من الله على الاصرار على الذنوب ، قلت أو كثرت ، صغرت أو كبرت ، بل يدين لله بالتوبة منها ، والتحول عنها والندامة عليها ، واعتماد النية أنه لا يرجع اليها ، فمن ترك ما عليه الدينونة به ، وليس هو مخير فيه ، فقد ترك فرضا لازما ، ومن ترك فرضا لازما فليس هو بمجتنب للكبائر ، بل مواقع لرأس الكبائر ، لأنه قد واقع الكبير بالإقامة على المعصية ، وقد ضيع الفريضة من الدينونة بالتوبة ، وليس بمجتنب للكبائر من أقام على الصغائر مصرا مستكبرا ، هذا من أعظم الكبائر ، وليس بين التوبة والاصرار منزلة ثالثة ، بعد أن يكون المذنب ذاكرا لما قد عصى الله به ، كان صغيرا أوكبيرا ، فإما أن يكون نادما مستغفرا خائفا لما قدمت يداه ، حذرا فيكون الله له بذلك لسيئاته مكفرا ، ولإحسانه شاكرا ، وإما أن يكون في حينه وساعته آمنا من معصيته ، مستحقرا مقيما عليها مستكبرا .

ولا فرق في ذلك معنا بعد أن يأتي ذلك ، ويكون له ذاكرا ، فإذا أقام على معصية الله طرفة عين ، بعد أن يكون لها ذاكرا ، وعلى التوبة منها قادرا ، ولم يكن من ذنبه تائبا مستغفرا ، خائفا حذرا ، كان بذلك من حينه مصرا كافرا ، ولحقته أحكام الكبائر من حينه صاغرا ، وهذا معنى ما لا يختلف فيه مع أهل العدل .

٢٦١ / ٢٧٧